آخر الأخبار
The news is by your side.

 تأملات قرآنية …. بقلم: د. هاشم غرايبه

 تأملات قرآنية …. بقلم: د. هاشم غرايبه

يقول تعالى في الآية 17 من سورة البقرة: “مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ”.

استعمال الأمثلة المحسوسة من أساليب البلاغة القرآنية، وفي الآية الكريمة تصوير لحالة مألوفة لأقوام زمن التنزيل، فهي تمثيل فائق الروعة لحالة المنافقين في تعاملهم مع الإيمان، وفيها كثير من المعاني التي تتطلب إمعانا في التفكر واستغراقا في التأمل.

الصورة هي لقوم يجتمعون في ليل مدلهم الظلمة، ولديهم نار تضيء ما حولها، لكن هؤلاء ما استفادوا من ضيائها لأن النور الذي به يبصرون قد فقدوه ، فلم يستفيدوا من ضيائها شيئا.

المحطة الأولى: لماذا جاءت “استوقد نارا” وليس أوقد ؟، الإستيقاد مختلف عن الإيقاد، فهو طلب الإيقاد أو السعى في طلبه، لذا فليس الشخص (المستوقد) هو المنشيء للهداية بذاته، بل هي تحققت بفضل من أتاح له ذلك الفعل، لأن إيقاد النار هنا جاء بقصد رؤية القوم الأشياء على حقيقتها، ولم تكن طلبا للدفء أو بقصد طهي الطعام، فكأن النور المتحقق جراء إنارتها لما حول مستوقد النار هو الهداية، وهو الذي سعى لتحقيقها ونفع القوم جميعهم بها. وهذا توصيف غاية في الجمال للرسالة المحمدية.

يؤكد ذلك استخدام المفرد للفعل فالذي استوقد واحد، ولما اكتملت منفعتها وأضاءت ما حول ذلك المستوقد، ولذلك جاءت الصياغة (فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ)، وليس ما حول النار، لنفهم أن النور الهادي مرتبط بذلك الشخص، لكنها أصبحت واقعا قائما نافعا بذاته ليس فقط للمستوقد ذاته بل لكل من يحيطون به.

المحطة الثانية: لماذا جاء وصف الحالة المتحققة من جراء اشتعال النار بـ “أضاءت”، ومن بعد ذلك جاء فعل فقدان منفعة الضوء بذهاب النور، ما الفرق بين الضوء والنور؟

الضوء هو منشيء الإنارة، أما النور فهو انعكاس الضوء، والذي به تتم عملية الإبصار، بدليل قوله تعالى: “هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا” [يونس:5]، وهو الأمر الذي تأخر العلم البشري ألف سنة حتى اكتشفه، بسبب إصرار المعاندين على التكذيب بكتاب الله.

إذاً فقدان هؤلاء القوم الذين خصهم الله بهذا المثل القدرة على الرؤية لما حولهم لم تكن بإطفاء النار، بل بإلغاء النور (حرمانهم من الهداية)، الذي بدونه لا يرون ولو كانت النار ساطعة الضياء، وذلك لأن بقاء ضيائها فيه حاجة لأقوام آخرين غير عمين ليهديهم.

المحطة الثالثة: لماذا قال تعالى: “وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ” بينما تكفي ظلمة واحدة لإفقادهم منفعة البصر؟.

يفسر الفخر الرازي في كتابه “التفسير الكبير” ذلك بأن الله دائما يذكر النور بصيغة المفرد لأن مصدره واحد: “الله نور السموات والأرض” [النور:35]، وطريقه واحد وهو الإيمان: “وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ” [الأنعام:135].

ويؤكد تفسيره هذا البدهية القائلة بأن أقصر الخطوط بين نقطتين هو الخط المستقيم الواصل بينهما، وهو واحد لا يتعدد، لأنه يتطابق تماما مع الخطوط المستقيمة الأخرى مهما بلغ عددها، أما الخطوط المعوجة والمنحرفة والملتوية، فلا يتطابق منها اثنان، لذلك فالإنحراف عن الصراط المستقيم لا يكون شكلا واحدا، بل هو متنوع متعدد: “وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ” [الأنعام:153].

إن ظلمات المنافقين والكافرين والفاسقين التي فيها يعمهون كثيرة، وجميعها تفضي بالمرء بعيدا عن الإيمان، ومنها: الأنانية، والطمع بما لدى الآخرين، وحب المنفعة الدنيوية، وتغليب الشهوات الحاضرة على مثوبة الآخرة الموعودة، والكِبْرُ، والخيلاء بما لديهم، والمعاندة، والتزوير، والكيد للمؤمنين حسدا مع إظهار الود الكاذب لهم.. الخ.

لذلك فإنهم حينما استحبوا الكفر على الإيمان بعد أن وصلتهم الهداية، كانوا كمن أستحب العمى على الإبصار، فعاقبهم الله أن ثبت قلوبهم على هذا الحال، بأن زين لهم أعمالهم فطابت نفوسهم بها، فكان انتقامه منهم بليغا، إذ بذلك حرموا أنفسهم بأيديهم من رحمة الله ومغفرته، واستحقوا عذابه المقيم في الدرك الأسفل من النار.

Loading

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.