الإعلام السوداني والإفريقي: نحو بلورة رؤية جديدة تحقق الإصلاح والتطور
الإعلام السوداني والإفريقي: نحو بلورة رؤية جديدة تحقق الإصلاح والتطور
بقلم: سعد محمد عبدالله
يمثّل اليوم العالمي لحرية الصحافة مناسبةً مهمة لفتح نقاش موضوعي وعميق حول واقع ومستقبل الإعلام في السودان وإفريقيا، خاصة مع التعقيدات القانونية والسياسية التي تحيط بحرية التعبير عن الرأي والفكر؛ ففي العديد من الدول الإفريقية، لا تزال الأنظمة السياسية تنظر إلى النقد بمساراته المختلفة باعتباره نقضًا مضادًا وتهديدًا مباشرًا لمشروعاتها، متجاهلةً الدور الحيوي الذي يلعبه الإعلام في تعزيز التماسك المجتمعي، وترسيخ قيم الحوار والديمقراطية، وتكوين الخطاب السياسي؛ وفي المقابل، يبرز رأي آخر يرى أن الإعلام سلاح ذو حدّين؛ يمكن أن يكون أداة للبناء والتنوير إذا استُخدم بمسؤولية وأخلاق من قِبل الفاعلين الحريصين على مصالح الدولة والمجتمع، أو وسيلة للهدم والتضليل إذا إنحرف عن أهدافه المهنية التي ينبغي أن يصونها القانون واللوائح ذات الصلة، ومن هنا، تبرز الحاجة إلى صياغة علاقة متوازنة بين الإعلام والمجتمع والسلطة، تقوم على إطار قانوني عادل يضمن حرية التفكير والتعبير لكل ألوان الطيف الإعلامي، وفي الوقت ذاته يرسّخ معايير المسؤولية والمهنية، بما يجعل الإعلام شريكًا أساسيًا في بناء الدولة لا خصمًا لها، وتحقيق هذا التوازن يتطلب إرادة سياسية حقيقية، ووعيًا مجتمعيًا بأهمية الإعلام الحر، إضافة إلى مؤسسات وطنية قوية قادرة على حماية الحقوق وتنظيم الأداء الإعلامي وفق أسس واضحة وعادلة وقابلة للتطور.
عند إستعراض واقع البيئة الإعلامية في السودان أو في القارة الإفريقية، التي تضم عشرات الدول ذات الصِلات والتباينات السياسية والإقتصادية، نجد أن مساحات الحرية الإعلامية تختلف بشكل كبير من بلد إلى آخر؛ فبينما توفر بعض الدول، مثل جنوب إفريقيا وناميبيا وموريتانيا، هامشًا نسبيًا من الحرية للصحفيين، تعاني دول أخرى من قيود صارمة وإنتهاكات متكررة، خاصة في مناطق النزاعات مثل السودان والصومال وجمهورية إفريقيا الوسطى، وفي الحالة السودانية، واجه الصحفيون لفترات طويلة تضييقًا ممنهجًا تحت غطاء قوانين تحدّ من حرية النشر والتعبير؛ إلا أن السنوات الأخيرة شهدت محاولات جادة لإعادة النظر في هذه الأطر القانونية، من خلال مبادرات تهدف إلى إصلاح قانون الصحافة والمطبوعات، وتوفير بيئة وطنية أكثر إنفتاحًا لإنتاج الإبداع الصحفي والفكري، وقد شكّلت الوِرش والحوارات التي إنعقدت مؤخرًا في هذا السياق، خاصة في مدينة بورتسودان، والتي شاركتُ في بعضها مع مجموعة من الإعلاميين والمسؤولين، خطوة مهمة نحو بناء منظومة إعلامية تستند إلى المعايير المهنية والأخلاقية، وتُعزّز من دور وسائل الإعلام بوصفها «سلطة رابعة» قادرة على الرقابة والمساءلة وحماية الحقوق الوطنية، دون أن تنفصل عن مسؤولياتها تجاه قضايا الوطن وهموم المجتمع.
في ظل التحولات العالمية المتسارعة، يشهد الإعلام الإفريقي والسوداني نقاشًا متزايدًا حول سُبل تطويره ليواكب متطلبات العصر الرقمي، ويستجيب لتحديات العولمة والتغيرات التكنولوجية، ويبرز في هذا السياق إتجاه يدعو إلى إعادة تعريف العلاقة بين الإعلام والحكومات، بحيث تتحول من علاقة تنافس أو صراع إلى شراكة إستراتيجية قائمة على تحقيق الصالح العام، دون المساس باستقلالية المؤسسات الإعلامية وتوجهاتها المهنية؛ كما يتطلب هذا التحول تعزيز الإستثمار في البنية التحتية الرقمية، وتدريب الكوادر الإعلامية على إستخدام التقنيات الحديثة، وإنتاج محتوى تنويري يعكس واقع المجتمعات السودانية والإفريقية ويعبّر عن قضاياها بعمق وموضوعية، ويستدعي ذلك أيضًا الإستفادة من التجارب التاريخية الرائدة، مثل تجربة الأستاذ المفكر والصحفي دوس محمد علي، الذي أسهم في تأسيس مدرسة إعلامية تنويرية عبر صحيفة «أفريكان تايمز أند أورينت ريفيو»، والتي لعبت دورًا محوريًا في نشر الوعي بين الشعوب الإفريقية في نضالها من أجل السلام والعدالة والتحرر من سطوة الإستعمار؛ كما يمكن الإستفادة من تجارب دول مثل مصر وتونس ورواندا ونيجيريا، التي قطعت شوطًا في إصلاح الإعلام وتحديثه، بما ينسجم مع متطلبات العصر ويسهم في تحقيق الإستقرار وترسيخ الوحدة على أساس التنوع وتعزيز التنمية العادلة للجميع.
في ختام هذه القراءة، يمكن القول إن الإحتفاء بحلول اليوم العالمي لحرية الصحافة يمثل فرصة حقيقية للسودانيين والأفارقة معًا لإطلاق حوار واسع حول مستقبل الإعلام ودوره في بناء مجتمعات أكثر وعيًا وإستقرارًا؛ فقد باتت الحاجة ملحّة لتأسيس منصات حوار إقليمية حرة تجمع الإعلاميين وصناع القرار والأكاديميين والمفكرين، لمناقشة قضايا حرية التعبير وحماية الصحفيين، والعمل على إبراز الوجه المشرق للدول الإفريقية من خلال تسويق إمكاناتها وإستقطاب الإستثمارات، وطرح مشاريع تطوير القوانين الوطنية بما يضمن بيئة آمنة للعمل الإعلامي، خاصة في الدول التي تشهد أزمات سياسية وأمنية طاحنة؛ كما أن بناء مشروع إعلامي نهضوي يتطلب بالضرورة توحيد جهود الإعلاميين بمختلف مشاربهم، والإستفادة من تجارب الرواد، وتبني رؤية مستقبلية تضع الإعلام في قلب عملية التغيير والتنمية، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال إلتزام جماعي بقيم الحرية والمسؤولية، والعمل على تحويل الإعلام إلى قوة إيجابية تسهم في بناء سودان جديد وإفريقيا مزدهرة، وفق رؤية قائمة على المعرفة والعدالة والتكامل.
![]()