إلقاء جثث الشهداء بِخور أبو عنجة.. أحلام ماتت على رصيف الثورة
إلقاء جثث الشهداء بِخور أبو عنجة.. أحلام ماتت على رصيف الثورة
الخرطوم: سعاد الخضر – شذى الشيخ
استيقظت أم درمان أمس على مشهد مروع، ثلاثة من جثامين الشهداء الذين شاركوا في موكب 30 يونيو ملقاة على قارعة الطريق أمام خور أبوعنجة وقد بدت على أجسادهم آثار التعذيب. أصيب المواطنون بالصدمة وشعروا بأن الإنسان السوداني أصبح ليس لديه قيمة وصار دمه الطاهر أرخص شيء على وجه الأرض. انخرط عدد كبير من نساء حي بانت وأبوعنجة في البكاء الهستيري أمام الجثامين، ولم يستحيِ الرجال من البكاء لأنهم شعروا أنه لامهانة أكبر مما شهدته أعينهم في هذا اليوم الأسود، فماذا تبقى لهم حتى لايجهروا بالبكاء وبئسا لقوم صارت دموع الرجال قبل النساء تسيل مدرارًا! حُقَّ البكاء، وهاهي أحلام الشباب الذين قدموا دماءهم من أجل سودان مابعد الثورة تكاد مطامع العسكر في السلطة تعصف بها.
تفاجأ السودانيون في صبيحة اليوم الثاني لموكب 30 يونيو الذي أعاد به الثوار للثورة سطوتها وبريقها ولمعانها؛ تفاجأوا بجثث أبنائهم ملقاة على قارعة الطريق وهم يسطرون صفحة جديدة من التضحيات الجسام، فقد أثبت هذا الجيل أنه لن يمل النضال ولن يخون عهد الشهداء فما أروعه من جيل!.
تفاصيل ماحدث :
قال شهود عيان لـ(الجريدة) إن مواطنًا شاهد الجثامين الثلاثة ملقاة على الأرض بالقرب من خور أبوعنجة وبعد أن تجمهر مئات الثوار والمواطنين وأغلقوا الشارع المؤدي إلى كبري النيل الأزرق. حاولت قوات نظامية – رجح أنها تابعة للأمن – ترحيل الجثامين، فمنعهم الثوار، وحرص المواطنون على نقل الجثامين إلى المشرحة لضمان سلامة التشريح وحتى لا تتمكن القوات النظامية من ترحيل الجثاميين وتقوم بطمث معالم الجريمة وكان من اللافت مرابطة سكان الموردة وبانت بالمشرحة حتى تم تسليم الجثامين.
موكب حزين:
وتوافدت جموع غفيرة من ذوي الشهداء ومواطني بانت والموردة إلى المشرحة لاستلام الجثامين وردد الجموع شعارات: ” الدم قصاد الدم ما بنقبل الدية”، و”دفعولك كم؛ عشان تقلبا دم”، وانخرطت النساء داخل المشرحة في البكاء والعويل وهن يجلسن على الأرض في مشهد يدمي القلوب، أما والدة الشهيد حامد يوسف، فلم تتوقف عن البكاء منذ لحظة وصولها بعد أن ألقت النظرة الأخيرة على جثمان ابنها الذي خرج أمس الأول وغاب من المنزل، ومكثت تترقب عودته كالمعتاد، وعندما تأخر الشهيد شعرت الأسرة بالقلق فذهبوا إلى مستشفى السلاح الطبي ومنها إلى مستشفى أم درمان أملا في العثور عليه ضمن المصابين في الأحداث، ولكن كانت الصدمة كبيرة عندما وجدت الأم ابنها الوحيد والذي يبلغ عمره الـ24 عامًا والذي يتوسط أخواته الأربع اللائي أصابهن الذهول وسالت دموعهن مدرارًا.
مطالب القصاص :
وتمسكت شقيقة الشهيد حامد يوسف – ناهد – بالقصاص ضد من قتلوا شقيقها. وعن قصة الاستشهاد قالت لـ(الجريدة): “خرج أخي للمشاركة في المسيرة المليونية ولم يعُد إلى المنزل، بعدها أصابنا القلق فطفنا على عدد من المستشفيات للعثور عليه، وعلمنا بأن هناك جثثًا بمشرحة أم درمان فتوجهنا نحوها”.
تضامن الأطباء:
و تضامن عدد من الأطباء الذين يقطنون أم درمان مع أسر الشهداء وشكلوا حضورًا لافتًا، وقالت طبيبة إن الإجراءات داخل المشرحة جرت بصورة سليمة، ونفت وجود أي تلاعب، وقالت: “هنالك جثث تعرضت للتعذيب وتبدو آثار السياط على أجساد الشهداء”، وأكدت تعرض الشهداء إلى طلقات كثيرة، وأن الجرح الذي خرجت عبره إحدى الرصاصات كان كبيرًا، ورجحت أن الشهداء فاضت أرواحهم في منطقة أخرى وليس بشارع الموردة، وتم نقلهم إلى خور أبوعنجة ولم نجد عليهم آثار دماء. وأشارت إلى أن الذين تعرضوا للإصابة في هذه المنطقة تم إسعافهم بمستشفى السلاح الطبى، أما الجثث الثلاثة فقد ألقيت بالقرب من الخور؛ وبنبرة يكسوها الحزن ختمت إفادتها: “ربنا يحرق حشاهم”.
مجهول الهوية:
وروى المواطن كمال حامد نورين، من سكان بانت شرق، تفاصيل ماحدث وقال: “تفاجأنا في السابعة من صباح أمس بوجود الجثث بالقرب من مدرسة المؤتمر بالقرب من البوابة الشمالية”، ورجح أن قتل الشهداء تم ليلا وتم نقلهم صباحًا، وعلمنا لاحقا أن الشهداء من جبل أولياء، ودار السلام ليبيا، لكن مازال هنالك شهيد مجهول الهوية. واستنكر نورين استخدام القوات النظامية القوة المفرطة ضد المحتجين.
تجدد الأحزان :
وجدد استشهاد حامد الأحزان لجدته التي فقدت ابنها قبل سنوات وتراءت لها صورة ابنها الذي مات غرقًا وقالت: “نتوجه بالدعاء إلى الله وهو من خلقنا وسيعيد لنا حق ابننا”، وطالبت بضرورة القصاص؛ إلا أنها استدركت قائلة قدره أن يستشهد ونزل علينا خبره استشهاده كالصاعقة.
شكوك وهواجس:
وأحاطت أسرة الشهيد بمدير المشرحة بروفسيور جمال يوسف، وتجمهروا أمام مكتبة وطالبوه بتسليمهم نسخة من التقرير الجنائي ،إلا أنه رفض ذلك، ما أثار الشكوك حوله، فدلف إلى داخل المكتب وعاد أدراجه مسرعًا وهو يحمل بين يديه التقرير واستعرض محتوياته وركز على الصفحة الأخيرة منه ليطمئن الأسرة على سلامة التقرير، وحينما تمسك ذوو الشهيد بحقهم في تسلم النسخة رفض مجددًا وقال لهم: “سمحت لأحد أقارب الشهيد بتصوير التقرير عبر الهاتف”، واحتدم النقاش بين ممثلي أسرة الشهيد وطبيب المشرحة الذي أصر بأن موقفه قانوني وقطع بأنه لن يسلم التقرير إلا للنيابة.
ملاسنات على أبواب المشرحة :
وطالب فني المشرحة بحضور والد الشهيد وعندما اكتشف أنه ليس من بين المطالبين بالتقرير وكأنما وجد فني المشرحة عذرا شرعيًّا فـصاح فيهم: “ليس من حقكم المطالبة بالتقرير لأنكم لستم أولياء دم”، فأخرج أحدهم بطاقته الشخصية وقال له إنا خاله، والتحق رجل آخر بالمتجمهرين وجاء والد الشهيد وملامح الحزن تغطي وجهه، واحتج ذوو الشهيد، فتلاسن معهم الفني قائلا: “أنتم لن ترثوه لأنكم لستم أولياء دم”، فأصابتهم كلماته الجارحة تلك في مقتل فغلى الدم في عروقهم كالبركان المتفجر، وصاح أحدهم: “تقتلوا أولاد الناس وترفضوا تسليم أهاليهم تقارير الوفاة!”، فرد الفني: “أنا لم أقتله”، فأجابه سريعا: “كتلتو حكومتك”، فأجابه الفني: “حكومتك أنت ذاتك”، فسخر منه قائلا: “حكومتك أنت لأنك تأخذ منها مرتبك وأنا أكسب لقمة عيشي من(ضراعي)”.
علامات استفهام :
وبعد محاولات كثيرة وملاسنات تمكن ذوو الشهيد حامد، من استلام التقرير إلا أنه كان في ورقة عادية وغير مختومة؛ مما سيفتح علامات استفهام كثيرة، ما دفع ذوي الشهيد لتبيلغ محامي الأسرة.
الشهيد الثاني:
وتدافعت أعداد كبيرة من أسرة الشهيد محمد الذي يقطن محلية جبل أولياء، وحملوا الجثمان وسط هتافات: “الدم قصاد الدم مابنقبل الدية”.
ورفض مدير مشرحة أم درمان بروفسيور جمال يوسف، الإدلاء بتصريحات للجريدة حول تشريح جثث الشهداء وقال: “أنا لا أتحدث إلا أمام القضاء”.
الجريدة
![]()