آخر الأخبار
The news is by your side.

أبـريـل الأخـيـر… زنيب رمزي المصري 

 

أبـريـل الأخـيـر…

زنيب رمزي المصري

 

كانت أصوات الأغاني الوطنية تشدو حولي بحزن كأنها تبكي بدلا عني .. فتحت عيني في تكاسل و كنت أتمنى من أعماق قلبي أن يكون كل ما مر بنا مجرد كابوس .. إنتهى بمجرد أن أفتح عيني …………
لكنني كنت مازلتُ في مكاني على ذلك الكرسي الخشن في تلك المركبة الهاربة
الطريق متعرج …
المقاعد متعبة ….
و الوجوه حولي صامتة كأنها نسخت من وجهي أنا , نفس النظرة الشاردة و الخوف المكتوم … كأن الخوف أصبح ملامح مشتركة بيننا
عيناي تبحثان عن شئ مألوف …. شئ يجعلني أصدق أنني لم أغادر عالمي بعد
لكن , لا شئ …………..
في الخارج كانت الأشجار تمر كأشباح و الأرض تطوى تحت عجلاتنا بسرعة و كأن المركبة تحاول أن تفر قبل أن يلحقها الخراب .
ملتُ برأسي إلى الخلف و عادت عيناي تغمضان …
بدأت الذكريات تنهشني …..
ذكريات ما كنا عليه قبل أن نصبح نازحين في وطننا .
الخامس عشر من أبريل … ذلك التاريخ المشؤوم
يومها إستيقظت على أصوات طلقات الرصاص , لم أميز الأصوات في البداية ثم بدأت أذناي تستوعب تلك الأصوات المرعبة دويها , إرتجاف النوافذ معها , تداخلها مع صوت أمي و هي تهرع إلى غرفتي تصرخ ” بدأت الحرب” !!!
لم يكن عقلي مستعدا بعد ..
هذه أمي و تلك عادتها تضخم الأمور دومآ ….. جزء مني ظن أنها تبالغ كالعادة
حتى سمعت صوت الرصاص عن قرب …
لم يكن قادما من التلفاز بل من الشارع
مرت الساعات بين أصوات الرصاص , صوت المذيع الخارج من التلفاز , و بين تمتمة قلقة من أبي ..
كان يردد لنفسه أكثر منا ” الأمر لن يستغرق أكثر من يوم , سيهدأ كل شئ و تعود حياتنا كما كانت “.
كنا نريد أن نصدقه , كنا نحتاج أن نصدقه لا لأننا نثق في قوله فقط , بل لأن الحقيقة كانت أكثر رعبا من أن نواجهها .
في هذه اللحظة إلتقطت أذني كلمات تلك الأغنية اللتي لاطالما رددناها سويا ” أنا هنا شبيت يا وطني , زيك ما لقيت يا وطني ”
في هذه اللحظة سالت دمعة حرقت خدي بصمت .. لم تكن دمعة خوف بل دمعة إعتراف …كأنها أول مرة أعترف لنفسي بأننا نرحل , بأن هذا الوطن لم يعد يحتضننا و أننا دون أن نشعر صرنا غرباء  في وطننا
فتحت عيني مجددا و أنا أتأمل بقايا تلك المباني المتهدمة , ………
بيوت كانت تضج بالأصوات , العائلة , و الأحلام .
الآن أصبحت مجرد أطلال صامتة ……
على أطراف الشارع كانت السيارات المحترقة شاهدة على ما حدث ,
الشوارع الخالية من كل ألوان الحياة ,,
لا أصوات , لا وجوه ,لا صوت بائع ينادي , و لا أطفال يركضون .
عدت أتأمل كلمات تلك الأغنية ” كانت أيام يا وطني , زي الأحلام يا وطني ” …..
كم شدونا بها سويا على أرض القيادة العامة بقلوب يملؤها الأمل في مستقبل جديد لوطن يستحق الحياة .
لم نكن نطلب الكثير …. فقط وطن لا نخاف فيه.
و لكن حتى هذا الحلم سرق منا …. كأننا لم نحلم به يوما .
و ها نحن الآن على ذلك الطريق ,,
نهرب من وطن كنا نحلم بمستقبله كل ليلة .
أغمضت عيني على أمل خافت ,,,,,
هل سيعود هذا الوطن ؟!
و هل سنعود معه ؟!
أم كتب علينا الفراق الأبدي ؟!!!!!
لا أعلم ,,
لكني أعلم أن الوطن ليس أرضا فقط , حتى و إن سرقوها سيظل بداخلنا حيا ينتظر يوم العودة .

النهاية و لكنها ليست النهاية حقا

Loading

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.