آخر الأخبار
The news is by your side.

هل الفن حرام؟ … بقلم: د. هاشم غرايبه

هل الفن حرام؟ … بقلم: د. هاشم غرايبه

كان أكثر ما يخشاه رسول الله صلى الله عليه على الدين من بعده هم المتنطعون الذين يزاودون على الشارع الحكيم، والمغالون منهم يحرمون تسعة أعشار ما أحله، اعتقادا أن ذلك تقوى وصلاح.

فالمفرطون يضرون أنفسهم، أما المغالون الذين يشادون الدين فهم يصدون عنه، فيحرموا كثيرين من الهداية.

من المسائل التي نالت جدلا كبيرا هي النظرة نحو الفنون التشكيلية، صحيح أن القضية كانت حرجة في فجر الإسلام، حيث كان الناس حديثي العهد بترك عبادة الأصنام، وكان هنالك خوف من العودة إليها، لذا كان الابتعاد عن الرسم والنحت في بدايات الدولة الإسلامية، رغم أنه لم يرد أي نص في القرآن بتحريمها، لا بنص صريح ولا بالتضمين.

المعروف أن التحليل والتحريم أساس التشريعات، لذلك جاءت جميعها بنصوص قرآنية صريحة لا تحتمل التأويل، بل وقد ورد نص صريح باستنكار من يحرم شيئا أحلّه الله، حيث قال الله تعالى: “قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ” [الأعراف:32].

يستفاد من هذا النص القطعي الدلالة أمورا كثيرة منها:

أولا: عدم السماح لأي من البشر مهما كانت منزلته أو درجة علمه تحريم شيء لم يحرمه الله صراحة.

ثانيا: النص شامل لكل ما أخرجه الله لعباده، ليلبي الحاجتين الأساسيتين للإنسان: غذاء النفس (المتعة والسرور) وغذاء الجسد (الطعام والشراب)، وقدم حاجة النفس على حاجة الجسد.

ثالثا: يلاحظ في النص الكريم الاقتصار على استنكار تحريم إنسان ما أحله الله، ولم يلحق به استنكار العكس أي تحليل ما حرّمه الله، لأن التحريم أبلغ خطرا، ويعني الشرك في تدخل الإنسان بالمزاودة على الحكمة الإلهية، فيما أن خطورة تحليل ما حرّمه الله تعتبر معصية وتجاوزا لحدود الله.. وشتان ما بين الشرك والمعصية.

لذلك توعد صلى الله عليه وسلم المتنطعين بالهلاك ثلاثا، ولم يتوعد المتهاونين.

رابعا: التشريع الوارد في السنة الصحيحة واجب الاتباع كما الوارد في القرآن، لأنه فرع منه، وكما أن فرع الشجرة يتبع الأصل، ولا يمكن أن يكون أمتن ولا أقوى منه، لذلك لا يمكن أن تأتي السنة بما ليس له أصل في القرآن.

ومتفق عليه بإجماع الفقهاء أن السنة أصلا جاءت لتحقيق ثلاثة أمور: تقريراً لما جاء به القرآن قولا لتوضيحه وتطبيقا لترسيخ فهمه، وتفصيلا للمجمل منه، وتخصيصاً للمعمم.

لذا توسعت السنة الصحيحة في العبادات والمعاملات، لأنها ذُكرت مجملة ومعممة، لكنها في الأمور التي جاءت محددة بدقة في القرآن، مثل أصول العقيدة والمحرمات لم تزد على ما جاء فيه، لأن القرآن أكمل الدين تماما: “وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ” [النحل:89]، ولم يغفل عن أمر تشريعي يمكن للسنة أن تستدركه: “مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ” [الأنعام:38]

فتفاصيل الزكاة وباقي العبادات ذكر لها أصل في القرآن، فجاءت السنة بتفصيلاتها وأركانها، وليست تشريعا جديدا.

وفي المعاملات لم تحرم السنة ما ليس له أصل في القرآن، فتحريم الجمع بين الزوجة وخالتها وعمتها، هو فرع من تحريم الجمع بين الأختين، لأنه منطلق من الحكمة ذاتها.

وما جاءت به السنة زائدا عما حدده القرآن، مثل المضمضة والاستنشاق في الوضوء، فهي آداب ولا تعتبر تشريعا واجبا، بدليل عدم بطلان وضوء تاركها.

خامسا: كل ما حرمه الله أمورا ضارة بالجسد أو النفس، وما لم يكن يفهم الناس علة تحريمه زمن التنزيل، فهموه الآن، لذا لم يرد أي نص قرآني يشير الى تحريم الرسم.

الرسم لم يخترعه البشر، بل هو موهبة من الله، وهب قليلين الإبداع فيه، لكنه وهبهم جميعا القدرة على تذوقه، كجزء مما كرم به الإنسان من الاحساس بالجمال والاستمتاع به، وجعل تذوق الجمال ملكة منحت للجميع بلا استثناء، وغير مرتبط بعصر ولا لغة ولا عرق ولا عمر، لأنه من الآيات الدالة على وجود الخالق، والتي تدفع الى ذكره تعالى، فلا يسع المرء إزاءه إلا القول: تبارك الله أو ما شاء الله.

وذلك يسقط حجة من يقول بأن الرسم والتصوير شرك بالله، قد يكون الأقدمون قد خشوا من مهارة الرسام أن تفتن السذج الى الاعتقاد إنه خلق، لكن ما الفرق بين رسم زهرة أو عصفور؟.

Loading

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.