نَكًزة : حين تُقاس الحضارات بميزان القيم لا بضجيج القوة
نَكًزة : حين تُقاس الحضارات بميزان القيم لا بضجيج القوة
بقلم : الصادق إسماعيل علي
ليست الحضارات البشرية أرقامًا في جداول الاقتصاد، ولا أبراجًا من الإسمنت والتكنولوجيا، فالتاريخ علّمنا أن الحضارة الحقة تُقاس بما تقدمه للإنسان من قيم تحفظ دمه وماله وعرضه وعقله وكرامته، لا بما تكدّسه من أدوات البطش وهيمنة القوة. فكم من حضارة بلغت أوجها المادي، ثم سقطت سقوطًا مدويًا حين افتقرت إلى ميزان الأخلاق والعدل.
الحضارة الغربية، التي انبثقت من أوروبا وتربعت الولايات المتحدة على عرش قيادتها لأكثر من ثلاثة قرون، لا يمكن إنكار منجزها المادي في شتى مجالات الحياة. غير أن السؤال الجوهري يظل حاضرًا بإلحاح: ماذا قدّمت هذه الحضارة للإنسان في بعده الأخلاقي والإنساني؟
والإجابة، للأسف، تكاد تكون صفرًا كبيرًا. فقد خاضت حروبًا عالمية أحرقت الملايين، وأشعلت نزاعات في كل بقعة من هذا الكوكب، وأبادت شعوبًا بأكملها، وسلبت الأراضي، ونهبت الثروات، واستباحت الأعراض، ولا تزال تفعل ذلك حتى يوم الناس هذا، بلا خجل ولا وازع من ضمير.
وما الرعاية الغربية المفتوحة لحروب إسرائيل واعتداءاتها السافرة على الشعوب إلا شاهد إضافي على زيف الخطاب الإنساني الذي ترفعه هذه الحضارة. لقد استُغلت المؤسسات الدولية، التي خُدعت بها شعوب العالم، لتكون أدوات في خدمة المشاريع الاستعمارية، بدلًا من أن تكون حارسةً للسلم والأمن الدوليين.
وما جرى – ويجري – من سياسات أمريكية فجة تجاه دولٍ ذات سيادة، كفنزويلا وغيرها، حيث يُمزَّق القانون الدولي علنًا، وتُداس المواثيق بلا مواربة، ليس إلا إعلانًا صريحًا بمنطق: «أنا ربكم الأعلى». وهنا يحق للضمير الإنساني أن يسأل المواطن الأمريكي نفسه: كيف سيكون رد فعلك لو انتهكت دولة ما حدود بلادك، واعتقلت رئيسك أو أحد مواطنيك العاديين واقتادته قسرًا إلى أراضيها؟
ما لا تدركه أمريكا وأوروبا، ومعهما الحضارة الغربية، أن لهذا الكون سننًا ونواميس لا تحابي أحدًا، ولا تخضع لقوانين القوة مهما بلغ جبروتها. سنن يديرها خالق عظيم، أهلك بها أممًا كانت أشد قوةً وبأسًا، فاندثرت كأن لم تكن، في لمح البصر.
إن بقاء الحضارات واستمرارها مرهون بالعدل والصدق والإنسانية. وحين تختل هذه القيم، يبدأ العدّ التنازلي للسقوط، مهما طال زمن الهيمنة. والحضارة الغربية اليوم، في ميزان التاريخ، تبدو وقد بلغت ذروة صعودها… ومن بلغ القمة، بدأ حتمًا طريق الهبوط.
﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا ۖ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾
[الرعد: 17]
![]()