آخر الأخبار
The news is by your side.

مع الجزء الثالث والأخير من آية الكرسي

 تأملات قرآنية -3 … بقلم: د. هاشم غرايبه

أكمل مع الجزء الثالث والأخير من آية الكرسي: “وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ”، وفي ثلاثة محاور:

الأول: في مفهوم الكرسي والذي كان محور هذه الآية، وبه سُمّيت.

لا يمكن للمرء مهما أوتي من علم، ومهما امتلك من سعة الخيال، أن يستوعب هيئة ولا تكوينا، ما غيّبه الله عن معرفتنا إلا من خلال تلك الإشارات المقتضبة التي أوردها في كتابه الكريم، ولو عرف أن في قدرتنا أو من مصلحتنا إدراك الغيبيات لبيّنها لنا، لذلك من الحكمة أن لا نتوسع في محاولة توصيفها أو التكهن بماهيتها، مثل: هيئة الله وطبيعته ومكانه، والكرسي أو العرش، الملائكة، يوم القيامة والحساب، والجنة والنار، والحياة الآخرة والروح …

لقد ذكر الكرسي مرة واحدة في القرآن الكريم، وفي هذه الآية تحديداً، بينما ذكر العرش في مواقع كثيرة، ولا شك أنهما شيئان مختلفان، إنما لا يمكن تحديد هذا الإختلاف الذي أشغل كثيرا من علماء السلف، ولجأوا في ذلك الى الأحاديث الشريفة اعتقادا منهم أن النبي صلى الله عليه وسلم مطلع على الغيب، لكن كل ذلك البحث لا نفع فيه، إذ لو شاء الله لأطلعنا عليه من خلال كتابه أو رسوله الكريم.

الأمر الذي يمكننا فهمه أن سعة هذا الكرسي هائلة لدرجة لايمكن تصورها، فهو يتسع للكون بمجموعه، لكن ربما يكون هذا الإتساع الذي قصده الله تعالى نوعيا وليس حجميا، بمعنى الإستيعاب مقدرة وتصرفا وليس الإتساع مساحة، من ذلك نتوصل إلى أن الكرسي ليس شرطا أن يكون مادة بل من الممكن أن يكون إحاطة.

الثاني: يكمل الصورة أن حفظ هذا الكون لا يعجز القدرة الإلهية على ضخامة المهمة، لتصور ذلك بفهمنا المحدود، لنتخيل أن شخصا يريد أن يجعل كرتين ممغنطتين تتحركان ضمن مسارين محددين يضبطهما عاملان متضادان: الإنجذاب المغناطيسي مقرِّباً إياهما من بعض، والقوة النابذة عن المركز المتولدة من الدوران، سيكون الأمر صعبا، إذ يحتاج الى معادلات دقيقة ومعقدة، حتى إن كانا على سطح مسوٍ، فكيف إن كانتا في فراغ ثلاثي الأبعاد؟، والأصعب إن كانتا مختلفتين كتلة، ويكاد يصبح معجزا إن كانت ثلاثة كرات، فكيف إن بلغت عددا هائلا يقاس بالمليارات!، وفوق ذلك مساراتها متداخلة ولكل منها توابع وأقمار، ومداراتها بيضاوية وليست دائرية … ذلك ما يمكن وصفه بالمستحيل في مفهوم العقل البشري، لكن السيطرة والإحاطة الإلهية قادرة على كل ذلك، وفوق كل ذلك تدبير أمور كل المخلوقات في العالم، ما نعرف منه وما لا نعرفه، ولكل العالمين أيضاً!… ولما كان كل ذلك لا يعجزه ولا يرهقه، بدلالة استمراريته طوال الحقب والدهور، بلا أي انحراف ولا قصور، فذلك معنى “وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا”.

المحور الثالث: في ورود الإسمين (الصفتين) من أسماء الله الحسنى، اللذين اختارهما الله ليختم بها هذه الآية العظيمة، ولا شك أن اختيارهما له دلالات تلخص مفهومها، فالعلي ليس الإرتفاع موضعاً مكانيا بل العلو قدرا ومكانة، والعظمة نسبية وتقاس بمعيار الموصوف، وإضافة أل التعريف الى الصفة تعني إفراد الموصوف بها، وأنه ليس هنالك آخرون غير الله يشاركونه في العلو والعظمة.

بقيت مسألة يجدر التعرض لها عند تفسير القرآن بفهمه وفق ما تطورت إليه الأفهام البشرية، وهي أننا نجد لدى المفسرين القدامى ميلا الى التجسيد والشخصنة في التفسير عموما، فنجدهم يغرقون في الوصف المادي، فيقولون أن الكرسي هو موضع قدمي الله والعرش هو متكأ الجسد، ويجهدون نفسهم بحسابات وقياسات ما لهم بها من سلطان، مثل القول بأن السموات السبع طبقات متراكبة المسافة بين كل سماء والأخرى مسيرة 500 عام، ولو حسبناها بحساب سرعة الإبل لوجدناها 37.5 مليون كم فقط، أي أن السموات السبع جميعها لا تصل الى 265 مليون كم، بينما تبين أن بعد الأرض عن أقرب نجم وهو الشمس يبلغ 150 مليون كم!.

لذلك فالذين يصرون على التمسك بحرفية تلك التفسيرات، إنما هم يضعفون – من حيث يعلمون أو لا يعلمون – حجة الدعاة المخلصين، بأن هذا القرآن العظيم حجة على العقل، وليس العكس.

Loading

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.