مستشارون…ومستشارون! … بقلم: التيجاني عبد القادر
كان بعض مؤرخي المسلمين يستخدمون عبارة: “فلان يجلس مع الخليفة على السرير”، وذلك حينما يريد أحدهم أن يصف المنزلة العالية التي ينالها أحد “المستشارين”. ولكن لا ينبغي بالطبع أن تتصور هذا “السرير” على شاكلة الأسرة التي ينام عليها أمثالنا من الناس العاديين، إذ أنه سرير ملكي خاص، يتسع للملك نائما وقاعدا ومتكئا. وعادة ما تترك مسافة كبيرة بينه وبين بقية من في المجلس، فإذا أراد الخليفة أن يقرب أحدا أدناه منه، أو أقعده معه على السرير؛ وهي المنزلة الرفيعة التي تتقاتل حولها “الطبقة السياسة” الحاكمة، كما يقول الصحافيون، أو “طلاب الدنيا”، كما يقول العارفون من أهل التصوف.
على أن القربى من الخليفة لا تكون فقط بالجلوس معه على السرير، وإنما قد تتأتى بالحضور المستمر في مجلسه الخاص، أو السفر معه في رحلة للصيد، إن كان من هواة الاصطياد، أو الذهاب معه إلى العمرة، إن كان من أهل التدين، أو اللعب معه كرة السلة أو التنس أو الجولف، إن كان يمارس الرياضة، أو الذهاب معه إلى بيوت العزاء؛ المهم أن تكون حاضرا في “الدائرة” الداخلية الصغيرة التي يتنفس فيها الخليفة “ويفضفض” بصورة طبيعية، فهذه هي الدائرة “المطبخ” التي تفوق في الأهمية مجلسي الشورى والوزراء قديما وحديثا.
هذا، ويقال إن رجاء بن حيوة الكندي كان من الأعضاء الدائمين في “الدائرة/المطبخ” التي “يفضفض” فيها الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك. (ويقال، بمناسبة المطبخ هذه، أن سليمان كان أكولا، يتخذ أحسن الأطعمة ويتفنن فيها، ويطلب من طباخيه ألا يحضروا بين يديه إلا بملابس موشاة). أراد سليمان ذات مرة أن يرشح أحد أبنائه الصغار للخلافة، كعادة الملوك والرؤساء وأصحاب الفخامة، فنصحه رجاء بن حيوة ألا يفعل. ولما سأله عن مرشح بديل ذكر له عمر بن عبد العزيز، فأبدى سليمان تخوفه من أن يثير مثل ذلك الترشيح حفيظة أبناء عبد الملك بن مروان، الورثة الحقيقيين للخلافة الأموية، فاقترح عليه أن يسكتهم بأن يرشح واحدا منهم وليا للعهد يخلف عمر بن عبد العزيز بعد موته. وانبرم الأمر على تلك المشورة المباركة، والتي كان من ثمراتها أن أنجبت خليفة راشدا خامسا كاد أن يحدث انقلابا داخليا في الأسرة الأموية الحاكمة.
ولك أن تتعجب كيف استطاع رجاء بن حيوة هذا، وهو لم يكن مديرا لجهاز المخابرات، أو رئيسا لمجلس للشورى، أو أمينا لدائرة العلاقات السياسية، أو مبعوثا خاصا من قبل الإدارة الأمريكية، كيف استطاع أن يتسلل إلى “سرير” الخليفة، وأن يشارك في صناعة القرارات المصيرية التي تغير موازين القوى؟ يقول المؤرخون أنه كان عالما تقيا نيرا، فكيف التقى مع سليمان الذي اشتهر بأنه محب للحياة، مغرور بها وبنفسه، يقف أمام المرآة فيقول: أنا فتى بني أمية؟
ثم إن للمشكلة جوانب أخرى، الأول: أن كل من “أجلس على السرير” لا يكون في درجة رجاء بن حيوة؛ صلابة في الدين، وصوابا في الرأي، وصدقا في النصح. والجانب الثاني أنه حتى ولو كان الرأي الذي يتقدم به المستشار سديدا فقد يرفضه الخليفة ويأخذ بغيره، فالمستشارون كثر، وللخليفة أن يغير مستشاريه كما يشاء. وقد استشار الخليفة هذا موسى بن نصير في فتح القسطنطينية، فاقترح عليه ألا يتعجل في ذلك، وأن يبدأ أولا بفتح الحصون التي تقع على طريقها حصنا بعد حصن، وقد يستغرق ذلك خمس عشرة سنة. ولكن الخليفة أعرض عنه واستشار مسلمة بن عبد الملك، فاقترح عليه مهاجمتها دفعة واحدة من البر والبحر، بجيش عرمرم يقضى عليها في عام واحد. ارتاح الخليفة لذلك الرأي، وهذا طبيعي، فالحكام عادة يحبون “الإنجازات” التلفزيونية الكبيرة السريعة، ولكن اتضح فيما بعد (أي فيما بعد الهزيمة) أن خطة مسلمة التي أعجبت الخليفة كانت هي الكارثة بعينها، حيث لم يضع حسابا للعواصف والبرد والمؤن، فهلك قسم كبير من الجيش بسبب البرد والجوع، حتى أن الناس كانوا يأكلون الميتة. ولم يتأخر فتح القسطنطينية خمس عشرة سنة فقط، كما اقترح موسى بن نصير، وإنما تأخر سبعة قرون كاملة (إذ لم تفتح إلا على يد محمد الفاتح في عام 1453م)، فتأمل.
ورغم ذلك لم يستطع أحد بالطبع أن يحاسب الخليفة، أو يحاسب رئيس هيئة أركانه الفاشل، لأن “الشعب” كان غائبا ومغيبا، ولأن “الإعلاميين” و”الزعماء” السياسيين كانوا يتلقون رواتبهم الشهرية من خزينة الخليفة، فلم يكن هناك من يسأل لماذا وقعت الهزيمة، ومن الذي وضع الخطة الفاشلة، ولماذا أسقطت الخبرة العسكرية الطويلة التي تراكمت عبر عشرات السنين، والتي كان يمثلها موسى بن نصير. لم يكن أحد يسأل، ولم يكن أحد يعرف شيئا لأن الخليفة لم يكن يتخذ القرارات “المصيرية” في مجلس للشورى، أو مجلس للقيادة العليا، وإنما كان يتخذها في غرفة نومه، أو في دائرته الداخلية الصغيرة، التي لا تتسع إلا لأبناء عمومته، ولأصدقائه المقربين، ولواحدة أو اثنتين من زوجاته.
وكأنك تقول إن القرون الطويلة بينا وبين سليمان بن عبد الملك قد حدثت فيها تطورات هائلة في التجربة السياسية، وإن الأحزاب قد صارت إدارات، وإن الرئاسة قد صارت مؤسسات، وإن الشؤون الاستراتيجية للدول لم تعد تبرم في “المطابخ” الخاصة، وإنما تناقش في اللجان البرلمانية، وتطلع عليها الصحف، وكلاما كثيرا من مثل هذا. ولكنى بت أعتقد، بعد طول في النظر، أن الفارق الزمني الطويل الذي يفصل بيننا وبين سليمان بن عبد الملك لم يعلمنا شيئا؛ خاصة في مجال تأسيس الشورى واتخاذ القرار ووضع السياسات والاستراتيجيات. صحيح أن هناك تطورا وقع في شكل “السرير”، وفى ديكور “المطبخ”، أما من حيث “الثقافة السياسية”؛ ثقافة الشلة والدفعة والعصبة التي تخترق الأحزاب وتتجاوز المؤسسات، فنحن لم نبتعد كثيرا عن القرن الثامن الميلادي، حيث يحتجب “الخليفة” عن الناس ويلجأ لشلته الصغيرة، هربا من النقد والمساءلة، وبحثا عن الراحة النفسية والفكرية، وحيث يبتعد خيار الناس عن الخليفة، فيلتفت فلا يجد إلا “طلاب الدنيا”، فيلتقطهم ليكونوا مستشاريه، ويقعدهم معه على السرير، ولا قوة إلا بالله.
ملحوظة، نشرت هذا قبل سنوات، وأعيد نشره الآن لأن الحال هي الحال.
![]()