مريم جمعة فرج مبدعة من جيل الروّاد
مريم جمعة فرج مبدعة من جيل الروّاد
بقلم: عزت عمر
(لذكراها..)
” توعّدناهم.. توعّدونا، نصبنا صواريخنا على الحدود .. نصبوا صواريخهم، دقّت طبول الحرب .. دقّت طبول الحرب، ضربوا مصفاة النفط .. ضربنا مصفاة النفط، وضعنا أيدينا على أفواهنا: ماء . ردّوا بصوت كالصدى : ماء . تعبنا .. تعبوا ، توقّفنا ..توقّفوا ، بدون أن نعرف لماذا ؟ أتونا .. أتيناهم ، .. تأتي السيارة ، يهتف الجميع : ماء . “
الصديقة المرحومة مريم جمعة فرج من مواليد دبي 1956، ترعرعت ودرست الإعدادية والثانوية فيها، ثمّ أكملت بكالوريوس أدب إنجليزي في جامعة بغداد، وماجستير علوم اللغة والترجمة من جامعة وست منستر بلندن. عملت مدرّسة لغة انجليزية ثم موجهة مختبرات لغوية بوزارة التربية والتعليم، ومن ثمّ توجّخت إلى الصحافة لعمل بجريدة البيان إلى أن توفاها الله عام 2019.
تعتبر مريم جمعة فرج من جيل الرواد في الكتابة القصصية، إذ تذكر المراجع أن علاقتها بالكتابة بدأت منذ مرحلة الدراسة الثانوية، فبدأت أولا بكتابة الشعر، إلاّ أنّ عالم القصّة جذبها فسعت مع زميلات لها في المساهمة بالكتابة القصصية كرائدات لهذا الفنّ الجميل، فكتبت مع كلّ من سلمى مطر سيف وأمينة عبد الله أول مجموعة قصصية مشتركة أسمينها “النشيد” عام 1987، ثمّ كتبت مجموعة فيروز التي صدرت عن اتحاد كتاب وأدباء الإمارات عام 1988، وأخيراً مجموعتها الثالثة “ماء” عن دار الجديد في بيروت عام 1994، لتتفرّغ بعد ذلك للترجمة في جريدة البيان، حيث عملت على ترجمة مجموعة من التجارب الإبداعية النسائية العالمية جمعتها في كتاب تحت عنوان “امرأة استثنائية” صدر عام 2003 عن دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، قدّمت من خلاله للقارئ العربي أكثر من 25 امرأة كاتبة استثنائية من العالم، استطعن جميعاً أن يؤكّدن ذواتهنّ في المشهد الإبداعي العالمي.
قصصياً تمكّنت مريم جمعة فرج من تأكيد حضورها الإبداعي، من خلال مجموعتيها القصصيتين ” فيروز” و ” ماء ” اللتين امتازتا بالقدرة على تجاوز الأشكال النمطية للقصة القصيرة، وبسعيها إلى دمج عالم الحلم والخرافة والمجاز، بعالم الصورة المحسوسة المعروفة من قبل المتلقي، حيث إننا في مجموعتها الأولى “فيروز”، اختارت شخصيات هامشية تعمل في مهن قديمة أودى بها التطوّر المديني الجديد، ولكن هذه الشخصيات ستزداد غنى من خلال تسليط الضوء عليها عبر المكان، وإبراز تناقضاتها بمزيد من الدراما، لكشف ما يعتمل داخلها في هذه اللحظة التاريخية والمفصلية من تاريخ تواجدها في المكان، أو مجموع الأمكنة التي ارتادتها ذات يوم ، ومن ذلك “بلال العبار”، وهو رجل بسيط، يتّخذ من خور دبي مكاناً يرتزق منه، وذلك بنقل الناس من إحدى ضفّتي الخور إلى الضفة الأخرى، ولكنه بعد إنشاء الجسور على الخور بدأ يعاني كسائر أبناء مهنته من الكساد، وما عاد “الخور” ذلك المكان الحيوي الذي يعجّ بالقوارب الناقلة للعابرين، وإنما عبارة عن مسرح صغير تلفظ فيه شخصيات القصّة أواخر أنفاسهم. وهاهو بلال العبار يقول لصبيه: “إذا متّ كفّني أنت و( عقّني ) ارمني في الخور”. لنستنتج من ذلك أنّ هذه المهنة هي كلّ شيء في حياة العبّار، ولذلك يأبى مغادرته حتّى في مماته.
وسيتشابه مصير العبار مع مصير “فيروز” وهو اسم منتقى لعامل في مصنع للثلج، شخصية بسيطة كبلال العبار تحالف الزمكان عليه، فأحالا حياته إلى صقيع أبدي، وسينعكس ذلك على جملة مشاعره وسلوكه وتفكيره، نلتمسه طوال يومه يعمل بآلية معتادة باستثناء بضع وقفات بين برودة وصقيع، تكفي لكي ينفكّ من هذا العالم الثلجي إلى أيام الغوص والبحث عن اللؤلؤ باعتباره كان غوّاصاً، يومها كانت “ياسمينة” المرأة الحلم تظهر له من بين مئات الوجوه والهيرات (أمكنة اللؤلؤ)، ويعيش قصة حبّ خيالية، وهذا كل ما تبقّى له من دفء بعد انقراض زمن الغوص، وتفتت مجتمع الغوّاصين والبحّارة، يمشي بين أزقة الحي غير آبهٍ بلقب المجنون لأنه باختصار: “لم يعد قادراً على النطق في زمن يتكلّم فيه الحديد والثلج”.
إن زمن” فيروز” الذي استحال إلى زمن جليدي ساكن، هو إشارة ذات دلالة إلى عدم قدرته على التكيّف، أو على العودة إلى حالته المائية، شأنه في ذلك شأن العبّار وسائر شخوص القصص الأخرى الذين مرّت بهم رياح التغيير، فتعصف بهم ما أمكنها، تاركة آثاراً وندوباً غائرة في أجسادهم ومشاعرهم البسيطة، ومن ثمّ يصيرون إما إلى الموت أو إلى الجنون .
في مجموعتها الثانية “ماء” ترتقي بخطابها السردي نحو إدانة الحرب مع حربي الخليج والحروب عامة، حيث في قصتها “أعداء في بيت واحد” تضيء للقارئ حالة الحرب وما ينجم عنها من عنف، يتمثّل ذلك رمزياً بموت النخيل، وشحّ الماء أو نضوبه.
ويمكننا تلخيص رؤية القاصة الكلّية لمسألة الحرب عبر الموقفين التاليين:
1 ـ موقف الجدّة عندما تقرن الحرب بالمنطق الجاهلي، فتقول: “كان المحاربون أيام الحرب يقولون: نحن شياطين، وإبليس جدّنا.
2 ـ موقف الصبية في قصة (ماء) عندما يخرجون معترضين على أن يكونوا ضحية لحرب لا علاقة لهم بها، فيقول لهم البائعان: “يا أولاد الـ… اشربوا من ماء البحر، فيصبح برميل الماء بخمسين، وكيس التمر بمئة.”
تقنياً، تختار الكاتبة أسلوبية التكثيف والإيجاز اللغوي مكتفية في ذلك على الإيحاء والبعد الرمزي لجملة العناصر التي تختارها من البيئة المحلية، كشجرتي النخيل والغاف، وكذلك في اختيارها لشخصياتها التي ترتبط بالزمكان، وبالدور المحدد لها، بمعنى أنه لا وجود لشخصيات مستقلة يتمركز حولها الحكي، ثمّ تتنامى على الطريقة الكلاسيكية، وإنما في مشهدية أقرب منها إلى الحركة المسرحية وأجوائها، حيث يتفاعل الممثلون مع الراوي والجمهور لإبراز الفكرة المراد إيصالها للمتلقّي.
إنّ كلّ شخوص المجموعة، هي شخوص منطقية تتعايش مع واقعها دون أي تناقض أو غموض، ترتبط بزمنها وتشعر به كلّ الشعور، فشخصيّة مثل “كنيز” في قصة “غابرييلا صرمة وطلع” على سبيل المثال تعكس واقعاً لا يمكن فهمه إلاّ بمتابعتها منذ لحظة دخولها الحدث، وحتى منتهاه، حيث في كلّ لحظة نتوقّع منها شيئاً، وفي كلّ حين نتساءل عن إمكانية الفعل لديها بهذا الشكل أو ذاك، وكذلك الأمر بالنسبة لأختها “صرمة” وكلتاهما شخصيتان تعيشان أجواء القص بإرادتهما، دون أية ضغوط من قبل القاصة، وهو ما يعكس لنا حرصها على أن تترك لشخوصها حرية الاختيار والتعايش الواقعي المصحوب بالخيال.
وذلك ما لحظناه أيضاً في قصّة “ظهيرة”، حيث تعمد القاصّة إلى بثّ السحرية في فضاء القصة لتدشين نصّ جديد، لا يرتكز إلى أية معطيات إيديولوجية، وإنما إلى جملة من الخصائص الواقعية لشخصيات مهمّشة في غاية البساطة، لكن عالمهم المتخيّل زاخر بالحكايات الشعبية الفائضة الرموز والدلالات الغنية كما في صصّة “أشياء صغيرة” عن تجسيد للعلاقة الصراعية بين القديم والجديد، تمّ التعبير عنها ببساطة من خلال علاقة أفراد العائلة بجهاز الراديو:
“فجأة اشترى كلّ واحد منّا راديو صغيراً. ظلّ الراديو الكبير فوق الطاولة التي تتوسط المكتب بلا مالك، ولم نقترب منه، الراديو الكبير كريه، قديم، بعد أن كسته النافذة بغبار الشارع، جهاز أبكم يصمت كثيراً، ولا يقول شيئاً مما يحصل.. أشهر مضت كنا نقضيها دون أن نستمع إليه..”
![]()