آخر الأخبار
The news is by your side.

قصة قصيرة .. حدقت في جسدها ساعة، نهداها عاريان

قصة قصيرة .. حدقت في جسدها ساعة، نهداها عاريان

بقلم: محمد بنميلود

قصة قصيرة .. حدقت في جسدها ساعة، نهداها عاريان، ما تزال نائمة، أن أحدق في نهدها وهي نائمة وشعرها منسدل على ساعدي ليس كأن أحدق فيه وهي مستيقظة، لقد تحول بفعل النوم إلى مطلق. أشعر بذلك السحر الغريب الذي يدفعني إلى مزيد من التحديق، أريد هذا الجسد كاملا بكل تفاصيله وكلما ظهر تفصيل لهثت خلف تفصيل أبعد إلى أن أصل إلى الروح.

الروح التي هي ذلك اللا شيء الشعري الأخاذ والمحبط. بأصابعي على جسدها ألمس روحها وبنظراتي أراها، سوى أنها سراب وليس الشعر شيئا آخر سوى ذلك السراب..

المرأة تخفي جسدها لتخفي روحها..

ذات مرة أخبرتني فتاة بأشياء غريبة لم أسمعها من غيرها. لم تكن متحرجة في إظهار فتنة جسدها لي. ونحن عائدان من مدينة أخرى عبر الحافلة أرتني نهدها الأيسر دون مناسبة. كان ذلك لذيذا وساحرا وشعريا للغاية رغم غياب الكلمات وغياب الشعر. رأيته بوضوح سوى أني أردت رؤيته أكثر.

لم أره جيدا قلت، الحافلة معتمة.

ها هو قالت بعد أن أخرجته من جديد. ثم أعادته. كأرنب يطل من غاره بحذر ثم ما يلبث أن يعود إلى الظلمات الآمنة متوجسا من الضواري.

حدقت فيه بتركيز هذه المرة. حسنا، رغم ذلك النظر لا يكفي، نظرة واحدة ولا حتى ألف نظرة. النهد دوامة هائلة من الأسئلة الدبقة والفضول.

أخرجيه من جديد من فضلك.

المسه لتتأكد إن أردت قالت.

أمسكته بيدي، شممته، قبلته، مصصته، عضضته بلهفة ورضعته. أسندت رأسها على الكرسي وتنهدت بعمق وتأوهت. أمسكت رأسي وداعبت شعري كطفل.

هل هذا كاف قالت؟

قلت لا والحلمة متصلبة في فمي.

حسنا.. كل شيء لن يكون كافيا. الحافلة مسرعة والزمن أيضا والأيام تشبه إوزات مهاجرة. أرتني كل شيء بعد ذلك ومنحتني كل شيء ورغم ذلك ظللت محبطا. أردت الإمساك بكل ذلك دفعة واحدة وإلى الأبد وهو ما لا يحصل حتى في الشعر.

سألتها ذات يوم ونحن ندخن على السرير، نقتسم نفس السيجارة: الفتيات في العادة يتحفظن بخصوص أجسادهن، يفضلن أن يخاطب الرجل عقولهن وأفكارهن. أجابتني بشفتين شهيتين مرتخيتين: جسدي هو عقلي وجسدي هو أفكاري ألا يعجبك؟ ألا تفهمه؟ أجبتها: بلا، إنه جميل، وأنا لا أريد أن أفهمه، أريد فقط لهذه النشوة أن تستمر، أنا نفسي لا أومن تقريبا بأية أفكار لذلك اخترت أن أكون شاعرا. قالت: لا يهمني في شيء أن تفهم أو أن لا تفهم أو أن تكون شاعرا أو غير ذلك. كل ما يهمني هو جسدي، ألا تجده جميلا؟ طلبت منها أن نمارس الحب تحت السرير أيضا فرفضت. أرادت أن يحدث ذلك فوق السرير فقط. لم أدر لماذا طلبت منها ذلك؟ ربما أردت أن أستمتع برفضها وذلك ما كان. شعرت أخيرا أنها تمنعت. سوى أنها أضافت: لن ترى جسدي جيدا تحت السرير. أخبرتها بغباء الشعراء الرومانسيين القدامى أني سأرى روحها. قالت: كلا، روحي هي جسدي. كانت واضحة للغاية وحاسمة أكثر من الشعراء وأكثر من الفلاسفة، أكثر من الرجال والنساء الذين عرفتهم. لم تكن مدعية ولا متبجحة ولا مهووسة بالجنس أو بالتعري. بل كانت مهووسة بجسدها فقط وقد أربكت رؤيتي للعالم وللشعر. أصبحت حائرا أين هي روح العالم وأين هو جسدها. لم تكن مع الثنائيات بل مع الوحدة. سوى أن الشعر بطبيعته ضباب وسديم حتى وإن حولته يدي داخل قصيدة إلى يومي واقعي وتفاصيل مرئية وملموسة، حتى وإن استخدمت كلمات الصناعات الحديثة في قصيدة. حتى وإن كانت القصيدة هيكلا عظميا في مختبر المستقبل، سيظل الشعر ليس كلمات، ليس فكرة، ليس شيئا نمسك به، إنه روح الهيكل العظمي، روح الملكوت، هيولى وصفة التكوين..

إنه هذا النهد النافر الذي أحدق فيه منذ ساعة ببساطة وجلاء في عتمة ضوء هذا الفجر الريفي الفلاماني كما في عتمة مياه بداية الخليقة، الذي حتى وإن حدقت فيه دهرا لن ترى شيئا، وحتى إن أمسكته عمرا لن تمسك شيئا. إنه نهد الولادة والخلق والبقاء، نهد روح العالم مغلفا بالإثارة واللذة والزلقان والنشوة.

النشوة التي وحدها تبقى كما في الشعر. تبقى كغيوم هشة مهما زالت.

أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.