آخر الأخبار
The news is by your side.

 في الصميم … بقلم: د. هاشم غرايبه

 في الصميم … بقلم: د. هاشم غرايبه

من البديهيات أنه لا يوجد شعب ينتمي الى أمتين في آن واحد، دائما ما يختار انتماء محددا، حتى سكان أمريكا الذين ينحدرون من أصول أوروبية وقوميات مختلفة، لا يقول الإسباني مثلا أو الإيطالي منهم إنني أنتمي الى الأمة الهسبانية أو الرومانية، بل إنني أمريكي من أصول أوروبية.

منذ قرن اعتدنا على مقولة غريبة يرددها قادتنا الملهمون في مناسبات التهنئة بالعيد: “أهنيء الأمتين العربية والإسلامية”، ثم أصبح إعلامُهم يستخدم مفهوم هذا الإنتماء المزدوج في تهيئتنا لتقبل المصائب التي اقترفوها، بعد أن كثرت وفاقت عدد الأعياد.

لقد حيّرونا بهذا التمييز، فلا يعرف المرء معنى لهذا الولاء المزدوج، فهل نحن أمة واحدة أم أمّتان؟.

بما أنهم يقولون اننا أمتان فذلك يعني أن من بيننا من ينتمي الى هذه والبعض الآخر الى تلك، كيف لي أن أعرف أنني من الأمة العربية أو أنهم ينسبونني الى الأمة الإسلامية؟، طالما أنني لو سئلت عن خياري فلا شك أنني لن أفرّط بأي من الإنتمائين.

فلماذا لا يدمجان معا ونقول الأمة العربية الإسلامية؟، وهو المسمى الذي ظل يميزنا طوال القرون الخمسة عشر الماضية، فما الذي استجد حتى استوجب هذا الفرز البائن؟

لعل على رأس تلك الأسباب محاولة الفصل بين العروبة والإسلام، والذي ترافق مع نشوء أنظمة (سايكس-بيكو) التي كان الغرض منها شرذمة الأمة ومنع توحدها من جديد تحت اليافطة الإسلامية.

في البداية شجعوا النزعة القومية بالإيهام أنها طريق الوحدة، لكن تجربة مائة عام أثبتت زيف ذلك الإدعاء، فقد ازدادت الأمة تشظيا وعن حلم الوحدة بعدا، وتبين أن الهدف الخفي كان استبعاد الإسلام، والذي هو الهدف التاريخي الذي يلتقي عليه أعداء الأمة الخارجيين الطامعين بها، مع المنافقين من أبنائها الحاقدين على اتباعها منهج الله، رغم أن كلي الطرفين لا يعتبران ذلك تحالفا مبدئيا، بل التقاء مصالح يحقق للطرف الأول إضعاف الأمة كونه الرابط الأقوى والجامع الأعظم لكلمتها، وللطرف الثاني يطفئ نار حقدها على ذلك المنهج الذي جاء ليبطل ادعاءاتهم ويحد من مكتسباتهم.

لم تكن الطبقة الحاكمة وحدها متحمسة لفصل روح الأمة (الإسلام) عن جسدها (العروبة)، بل كان يشاكلهم في مسعاهم هذا لفيف من مجموعات متباينة لا يجمع بينها إلا العداء للإسلام، أغلبهم من المتعصبين دينيا ضد الإسلام لكنهم يتغطون بأردية قومية ويسارية لإخفاء دوافعهم الحقيقية التي يخجلون من انكشافها، ومنهم من يتصفون بالغفلة الفكرية، فغرتهم شعارات الأنظمة البراقة فضللتهم، وكانت لديهم ضغينة تنظيمية ثأرية مع الإخوان المسلمين، ولسذاجتهم اعتقدوا أنهم بمهاجمة الإسلام يهدمون حصون خصومهم الإسلاميين.

وحتى مع إضافة من يعملون لدى المنظمات الغربية (NGO) ومراكز البحوث الممولة لمن سبق، فهم جميعهم لا تزيد نسبتهم عدديا عن 5 % من أبناء الأمة، رغم ذلك فقد نجحت جهودهم خلال القرن الماضي بنسبة عالية، وذلك لأنهم ينالون الرعاية والدعم من الأنظمة الحاكمة ومن سادتهم قوى البغي والاستكبار الغربي المعادية للأمة.

هنالك حجة يتذرع بها دائما من ينادون بهذا الفصل، فهم يقولون إننا إن قلنا أن الأمة العربية هي إسلامية، فإننا نستبعد المكوّن المسيحي، وبالتالي نهمل دورهم.

قد يكون لذلك وجاهة لو كان الإسلام لا يعترف بالمسيحيين كأصحاب رسالة سماوية، لكن الواقع معكوس، فالإسلام من أسس عقيدته التصديق بالمسيح عليه السلام وبالإنجيل، كما أنه لا يشترط على الكتابي ترك عقيدته ودخول الإسلام كشرط لمواطنته وعضويته بالأمة، وتشهد القرون الطويلة من حكم الدولة الإسلامية على احترام المسلمين لعقائد أهل الكتاب، وتمتعهم بحريتهم في البقاء عليها.

والواقع العملي يثبت أن الإسلام أكثر احتراما لعقيدتهم من النظام العلماني أو الملحد الذي يطالبون به، والذي يرفض الإعتراف بالدين من أساسه.

إذاً ليس الموضوع قلقا على الحرية والمواطنة، بل هو العداء القديم ذاته، منذ فجر نهضة الأمة وإلى اليوم.. أعداؤها ذاتهم، إنما تطورت وسائلهم.

أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.