آخر الأخبار
The news is by your side.

فرّق الحزب الشيوعي دم الانقلاب الطبقي بين الأحزاب

فرّق الحزب الشيوعي دم الانقلاب الطبقي بين الأحزاب

بقلم: عبد الله علي إبراهيم

أخذ الصديق كمال الجزولي عليّ في كلمة له على روزنامته أنني استندت على واقعة “غير صحيحة البتة حين قلت أن الحزب الشيوعي استثني انقلاب 19 يوليو من وصفه كانقلاب. فهو عندهم “حركة تارة، وهو بسالة تارة أخرى، وهو تهمة لا ننكرها وشرف لا ندعيه”. وأحال كمال القارئ لتقييم الحزب الشيوعي للانقلاب (1995) الذي نفذ فيه لتسمية 19 يوليو انقلاباً من فوق “منصَّة طبقيَّة، مع حرصه على مراعاة الضَّبط الاصطلاحي، حيث استخدم في تسميته مصطلح “انقلاب” بصرف النَّظر عن التَّوفيق أو عدم التَّوفيق في ذلك”.

أبدأ بموافقة كمال أن الحزب وصف انقلاب 19 يوليو ب”الانقلاب” في تقويمه له عام 1995 بعد ربع قرن من وقوعه. هذا نصف الكوب المليان. وأسال مع ذلك عما كان الحزب يسمي 19 يوليو خلال ربع القرن ذاك. لم يترك التقويم نفسه مجالاً للحدس والتخمين. قال التقويم صريحاً إن الشيوعي زاغ طويلاً من إطلاق مصطلح الانقلاب عليه. وهذا نصف الكوب الفارغ. ولم يأت تقييم الحزب بسيرته عن هروبه للأمام من وصف 19 يوليو بالانقلاب فحسب، بل وبأسبابه لذلك الهرب أيضاً.

فتمسك الحزب “بعناد”، في قول التقييم، بمصطلح “حركة” 19 يوليو التصحيحية التي وردت في بيان هاشم العطا، واستخدمنا مصطلح” انتفاضة “فيما بعد وأحياناً ”ثورة“”. وقال الحزب إن دافعه لذلك كان “نوعاً من الصمود المعاند أمام هجوم وضغط أنظمة البرجوازية الصغيرة العسكرية العربية ومنظريها، وهجوم سلطة الردة والمنتفعين بها في السودان، والتي ناصبت حزبنا و19 يوليو العداء الحاقد، واعتبرتنا مارقين وعملاء وسارقي ثورات لأننا تجرأنا على ثورة مايو“.

جاء الحزب الشيوعي لوصف 19 يوليو بالانقلاب بعد هذا التطير الطويل من تسميته بما هو عليه حقاً. وجاء الحق. فقال التقييم “إنها (19 يوليو) ليست ثورة وليست انتفاضة. ولا نستخدم مصطلح “حركة“ رغم شيوعه لأنه بلا مدلول سياسي واجتماعي بالمعيار العلمي. فلا يعبر ولا يشرح. وليس صحيحا ولا دقيقاً بالمعيار العلمي أن نسميها “انتفاضة” لأن الانتفاضة ليست تحركا جماهيرياً عابراً، ولا هي محصورة في دور ونشاط الطلائع – إنها وبرغم تعدد الأشكال تتسم بعمق واتساع طابعها الشعبي والعسكري، وبالنهوض المتصاعد في حركة الجماهير واستعدادها للمقاومة في فترة الانعطاف الحاسم من تطور الانتفاضة، وغير ذلك من شروط ونجاح الانتفاضة أو العصيان المعلومة لكل ماركسي في حالة الانتصار والهزيمة.

وهكذا صح قولي عن الحزب و19 يوليو لربع قرن. وهو وقت طويل يعيش ناس ويموت ناس. وصح قول كمال عن وصف الحزب ل19 يوليو بالانقلاب لبعض سنوات من القرن العشرين وإلى يوم الناس هذا. أما وجه خلافي الحق معه ففي تصويره إن إطلاق الحزب على 19 يوليو مصطلح انقلاب يُثَبّت للحزب أنه صدر في الأمر من “منصة طبقية”. فغيبة هذه المنصة الطبقية للشيوعي حيال 19 يوليو هي جوهر اعتراضي على جرجرة الحزب أقدامه دون توصيفه كانقلاب. فمتى قال الحزب إن 19 يوليو انقلاب تقيد بما تواضع الحزب عليه من أن الانقلاب هو خطة البرجوازية والبرجوازية الصغيرة في الثورة الوطنية الديمقراطية.

لم تغب عن الحزب في تقييمه لانقلاب 19 يوليو المنصة الطبقية التي تحدث عنها كمال. فاثبتها إلا أنه امتنع عن تطبيقها على انقلاب 19 يوليو. فقال في التقييم من فوق هذه المنصة إن تحليلهم للانقلاب العسكري لا ينحصر “في الشعارات والأهداف المألوفة التي يعلنها البيان رقم واحد، بل يتعداها إلى الظروف السياسية التي وقع فيها الانقلاب، والمصالح الطبقية التي يخدمها، والتكوين الطبقي والفكري والسياسي لقادته”.

ولكن ما جاء دور تحليل 19 يوليو من فوق هذه المنصة إلا كان تحليلاً فيه الرحمة.. فهو انقلابنا. ولا يكون انقلابنا بالطبع مثل انقلاب 25 مايو البرجوازي الصغير الذي قلنا إنه سيكبد الثورة الآلام العظيمة إن لم نلجمه بحركة جماهيرية تحاصر شروره. فقال التقييم عن 19 يوليو إنه انقلاب عسكري نظمته وبادرت بتنفيذه مجموعة وطنية ديمقراطية ذات وزن وتاريخ من الضباط والصف والجنود الذين ارتبطوا بالحركة الثورية السودانية، وتأثروا بها وشاركوا في نشاطها بقناعة ووعي. وعليه فهو انقلاب تكاد لا تسميه انقلاباً من فرط تقدميته شيك على بياض. فقد خرج عن ” الإطار التقليدي للانقلاب العسكري” ليحدد بلا لبس “أن سلطة الجبهة الوطنية الديمقراطي هي أساس الحكم في كل المستويات في البلاد، وأن تنظيم الضباط الأحرار هو واحد من تنظيمات الجبهة”. وألغى القوانين المقيدة للحريات، وصفى أجهزة الإرهاب والتجسس، وأعلن راية حكم القانون، واستقلال القضاء.

واضح أن الحزب ترفع عن تعيين الطبقة الاجتماعية من وراء انقلاب 19 يوليو كما تملي عليه منصته الطبقية وعلى رأس مطلوباتها فرز “المصالح الطبقية” لذلك الانقلاب. وبدلاً عن ذلك استغرق التقييم في وصف سياسي للقوى التي قامت بالانقلاب. بل وجعل 19 يوليو أمة لوحدها في الانقلابات بكسره الإطار التقليدي للانقلاب. فصار بذلك في منزلة بين المنزلتين بين انقلاب وثورة أو كاد.

لا غلاط أن الحزب الشيوعي لم يعد يعير المنصة الطبقية التزاماً بمنطوقها، ولا اهتماماً بالبحث عنها من وراء الظواهر. فصارت الظواهر عنده مما يعرف بوصفها السياسي كما فعل مع 19 يوليو. فانقلاب 1989 هو “انقلاب الكيزان”، وانقلاب العاشر من رمضان (1990) هو انقلاب البعثيين. ففرق الشيوعي دم الانقلاب الطبقي بين الأحزاب السياسية. وتجده سمى القوى السياسة في الحكومة الانتقالية ب”قوى الهبوط الناعم”. والبرجوازية الصغيرة عندي أسلس. وسمى ميثاقه الذائع ب”الجذري” على أنه خلا من ذكر الطبقة العاملة، سبب وجوده الجذري نفسه، بالاسم. ولم يبق للحزب من سيماء الطبقة سوى “الرأسمالية الطفيلية” التي هي مثل النحنحة قبل الدخول على الجيران: أنا هنا.

أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.