آخر الأخبار
The news is by your side.

عن تقرير نعمة الباقر الذهبي، الحقيقة أغرب دائما من الخيال

الاقتصاد السياسي للسودان … بقلم: د. سبنا مام

عن تقرير نعمة الباقر الذهبي، الحقيقة أغرب دائما من الخيال

لقد تابعنا التحقيق الذي قامت به الاعلامية المميزة نعمة الباقر حول نشاط الشركة الروسية في استخراج الذهب في السودان.

و كانت نتائج التحقيق التي خلصت إلى أن السودان قد انتج في العام 2021 ما يعادل 223 طن وهو مايزيد عن التقارير الحكومية الرسمية بفارق 190.7 طن وترتب على ذلك خسارة السودان لما يزيد عن ١٣ مليار دولار من عادئدات الذهب.

ورغم كبر حجم هذا الرقم الصادم وانبراء المسؤولين للطعن في واقعية الأرقام ومهنية الCNNفإن نظرة تحليلية لواقع استخراج وتصدير الذهب في الدول الأفريقية ال34 المصدرة للذهب ومنها السودان يؤكد لنا أن هذا الرقم ليس من نسج خيال الاعلامية ولا جاء نتيجة لإفتقار القناة للمهنية لدرجة ان تلفق الحقائق فقط لدعم تحالف الغرب والولايات المتحدة ضد روسيا في حربها ضد اوكرانيا وفيما يلي نورد الأسباب:

اولا: إجتياح روسيا لأوكرانيا لم يكن حديثا مفاجأة وغير متوقع لدى دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بل قيام هذة الحرب في العقد الثاني من الألفية كان أمرا معروفا فقد أورد Gorge Friedman في كتابه The next 100 Years الصادر في عام 2010 أن هنالك ما يعرف بال New fault lines وهي خطوط الانشقاق التي تهدد السلم والامن الدوليين والتي يمكن أن تندلع فيها الحروب وقد تشكل مسرحا لحرب عالمية ثالثة واول شق أشار اليه في كتابه هو ذلك الخط الواقع في Euroasia وهو تحديدا الحدود الغربية لروسيا مع اوكرانيا التي احكمت الولايات المتحدة وحلف الناتو سيطرتهما عليها بعد الثورة البرتقالية (2004-2005). وعليه فقد عملت روسيا منذ ذلك الوقت على زيادة إنتاجها و احتياطياتها من الذهب بصورة كبيرة استعدادا لمعركتها الحتمية في اوكرانيا فعدم أحكام سيطرتها على الأخيرة يشكل تهديدا وجوديا لروسيا.وعليه فقد اصبحت ثالث أكبر منتج للذهب و صاحبة خامس أكبر احتياطي للذهب في العالم بإنتاج يعادل 300 MT في العام الحالي واحتياطي بلغ 2,299 طن كما انها تطمح لتصبح أكبر منتج له في العالم بحلول 2029. وعليه فالحرب مع روسيا الآن ليست هي الدافع الرئيس لCNN لتزوير تقارير تتعلق بتجارة الذهب. فالكل كان يعلم أن روسيا تكدس احتياطات الذهب استعداد للحرب التي فرضها تمدد الناتو وسيطرة الولايات المتحدة على اوكرانيا.

ثانيا: من المعروف لدى المختصين في الاقتصاديات الاستخراجية ان الأرقام الحكومية التي تنشرها في تقاريرها الرسمية غير دقيقة وانها اقل بكثير مما ينتج في الواقع وذلك للتحديات المعروفة في صناعة الذهب والتي سنلخصها في النقاط التالية والتي تشترك فيها كل الدول الأفريقيةالمصدرة للذهب ومنها السودان:

1. كل الدول الأفريقية تعاني من الضعف المؤسسي والضعف في التحصيل الضريبي وضعف الكوادر الحكومية المسؤولة عن التعاطي مع شركات التعدين العالمية وقدراتها التفاوضية أثناء منح امتيازات التعدين او حساب الانصبة الحكومية. وهو أيضا من أكبر تحديات صناعة الذهب في السودان.

2. في كل الدول الأفريقية المصدر لذهب ومنها السودان تكون الشركات اكثر معرفة بالتراكيب الجولوجية لأماكن تواجد الذهب بالمقارنة مع الحكومات وغالبا ما تقوم الشركات نفسها بالدراسات الاستكشافية قبل خوض التفاوض وعليه فعند التفاوض مع الحكومة على اي منجم تكون على الشركة على دراية أكبر من المسؤولين الحكوميين بإمكانيات المنجم وهو ما يعرف بين الاقتصديين المختصين بasymmetry of information وهو ما يمنح الشركات قوة تفاوضية في مقابل الحكومات وعليه الحصول على امتيازات كبيرة .

3. عطفا على ما سبق تعتبر أغلب الاتفاقيات مجففة للحكومات ولا تمكنها من تحصيل أكبر عائد ممكن من إمكانيات البلاد من الذهب ففي دراسة أجراها بنك التنمية الأفريقية في العام 2012 وجد انهعلى سبيل المثال من ضمن 61اتفاقية تعدين للذهب في الكنغو الديمقراطية تمت مراجعتها بواسطة الحكومة اتضح أن 39 اتفاقية لا بد من اعادة التفاوض حولها و22 يجب إلغائها تماما. وعليه ففي السودان أيضا تتعبر الاتفاقيات غير منصفة للحكومة ولا تمكن السودان من تعظيم عوائده من الذهب مقارنة بشركات التعدين خاصة الأجنبية.

4. ضعف معدلات الريع gold royalty يعتبر الريع الذي تدفعه الشركة المنقبة عن الذهب للحكومة أهم مصدر لدخل الحكومة من الذهب ويبلغ متوسط معدلات الريع في أفريقيا 3% وفي السودان يتراوح الريع الحكومي الذي تدفعه الشركات من 5-7% من الإنتاج. وتذهب الدراسة إلى أن هذة المعدلات ضعيفة وان هنالك مساحة لرفع معدلات الريع دون الإضرار بقرارات الإنتاج الخاصة بالمنتجين حيث أن معدل العائد الداخلي حوالي 27%مقابل 10% لتكلفة استدانة رأس المال الضروري لعمليات التعدين. وعليه يمكن للشركات أن تدفع ريع أكبر دون أن تخشى من عدم تحقيق أرباح من انشطتها التعدينية.

5. معدلات الريع ثابتة ولا تتغير بتغير اسعار الذهب ومن المعروف أن هذة المعدلات كانت سائدة عندما كانت اسعار الذهب منخفضة ولكن مع تزايد التوترات الجيوسياسية برز الذهب كمخزن آمن للقيمة وزاد الطلب العالمي عليه مما أدى لارتفاع أسعاره وعليه كان يجب أن ترتبط معدلات الريع بتغييرات اسعار الذهب حتى تضمن الحكومة تحصيلها لما يعرف بالwindfall profits.

6. ضعف ضرائب الدخل المفروضة على الشركات وهي في السودان اقل من المتوسط في أفريقيا 30% حيث تبلغ في السودان فقط 15% وهي أيضا تقلل من نصيب الحكومة من ثرواتها من الذهب. كما أن الشركات اكثر براعة من الحكومات فيما يتعلق بالتهرب من التزاماتها الضريبية.

7. على الرغم من ضعف وعدم عدالة هذة الاتفاقيات فإن الالتزام بها من قبل الشركات ضعيف . فقد رصدت الدراسة عدم الالتزام بما يعرف الmining codes او ال mining act في أغلب الدول المنتجة. ففي الوقت الذي تنص الاتفاقيه على 5%كريم فإن ما يقدمه دفعه فعلا للحكومة قد لا يتجاوز 3%نظرا للفساد وعدم الشفافية وضعف الكوادر الحكومية المسؤولة.

8. عدم الشفافية حول الكميات المنتجة والمصدرة واوجه صرف العائدات. فاتفاقيات منح حقوق التعدين واوجه صرف العائدات الحكومية غير معروفة مما قلل من قدرة الشعب عبر البرلمان والمنظمات المدنية على محاسبة الحكومة او مسآلتها . وهذا لا يفسر فقط الاختلافات بين تقارير الحكومة للإنتاج والتقارير الخاصة كتييير الCNNبل يفسر أيضا عدم مساهمة الذهب في كبح تدهور الجنيه او التضخم او دعم التنمية في البلاد على الرغم من انه يمثل 70%من صادرات البلاد والمصدر الرئيس للعملة الصعبة .

9. تقاعس الحكومة رغم كل ارتباطاتها القوية مع البنك الدولي عن إدخال السودان في المبادرات التي من شأنها تعزيز الشفافية في هذا القطاع الهام وهي مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية Extractive Industries Transparency Initiative(EITI) و مبادرة الميزانية المفتوحة The Open Budget Initiative (OBI). وهذا التقاعس يعد مؤشرا على الضعف المؤسسي الحكومي و انتشار الفساد وحماية المهربين وغيرها من الأنشطة المهدرة لهذه الثروة الهامة. وهو سلوك طبيعي في الدولة الريعية التي تسيطر فيها مجموعات صغيرة على الثروة والنفوذ السياسي وهي ما درجنا على تسميته بنظام دولة المصالح المتجذرة. المعادية للديمقراطية والراعية للفساد.

ثالثا واخيرا تماما كما النفط يتم الان استخراج الذهب لتعود فوائده فقط على المجموعات المتحكمة incumbent groups في الداخل والدول الخارجية المستفيدة كما في حالة روسيا وهي واحدة فقط من مجموعة الدول المستفيدة من إهدار ثروات السودان من الذهب فيما تظل الغالبية العظمى من الشعب صاحب الأرض كالموتى السائرون يكابدون الفقر والجوع وضعف الخدمات ويدفعون مصروفات الحكومة في شكل رفع الدعم والضرائب والجبايات تحت ذريعة عجز الموازنة الحكومية.

التحية لنعمة الباقر على المهنية والشفافية وتسليط الضوء على الحقائق المغيبة التي كنا نعلمها ولكن كنا ننتظر مؤسسة عريقة كالCNN لإماطة اللثام عن واحدة من أكبر الفضائح الاقتصادية في العصر الحديث. واقول اخيرا ان الكذب يجوب نصف الكرة الأرضية قبل أن تلبس الحقيقة حذاءها وهذا التقرير قد ألبس الحقيقة حذاءها فيمكنها الآن إن تزعج السارقين بصوت كعبها العالي.

المصادر:

Gorge Friedman, The next 100 years, 2010.

Gajigo, O., Mutambatsere, E. and Mdiaye, G., 2012. Gold mining in Africa: Maximizing economic returns for countries (Vol. 147). Tunis, Tunisia: African Development Bank.

أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.