طريق أمدرمان جبرة الشيخ بارا : بداية لوضع الحصان أمام العربة د. علي محمد عثمان العراقي
طريق أمدرمان جبرة الشيخ بارا : بداية لوضع الحصان أمام العربة
افتتح السيد رئيس الجمهورية مطلع هذا الأسبوع طريق أمدرمان جبرة الشيخ بارا أو طريق الصادر الذي يبلغ طوله 341 كيلومتر، ويتوقع أن يسهم الطريق في ربط مناطق الإنتاج بالأسواق وموانئ التصدير وتسهيل النفاذ لوسط وغرب افريقيا وتحريك القطاعات الإنتاجية وتحسين قدرات الناس.
وقد قرأت واستمعت لرؤية قيادة ولاية شمال كردفان في النهضة والتي يقع الطريق في سياقها ولمست لغة مختلفة ومقاربة غائبة في قضية التنمية المحلية، فشعار النفير (موية- طريق- مستشفى) لخص منظورا كليا يستهدف تذليل العقبات وحلحلة المشكلات بهدف بناء القدرات وتحريك الانتاج، وفي سعيهم لتنفيذ المشروعات يستهدفون طيفا واسعا من التدخلات الضرورية والمطلوبة لتعظيم عوائد النمو واستدامته.
وهذا الاسلوب الذي تتبعه شمال كردفان هو ما طالبت به في كثير من الكتابات وأسميته النمو المنصف أو التوزيع عند المنشأ؛ فإن كثيرا من الدول تسعى لتحقيق التنمية وعلاج الاختلالات في توزيع عوائد النمو عبر برامج مختلفة تشمل الضمان الاجتماعي وتخفيف وطأة الفقر، فهل هذه الطريقة مناسبة؟
تؤكد الدراسات في كثير من الدول أن هذه السياسات والبرامج تصمم وتدار بطريقة اعتذارية ولا ينتج عنها أثرا ذي بال في حياة الناس، وذلك ببساطة لأن هؤلاء الناس مستبعدون من دورة النشاط الإنتاجي ويفتقرون للقدرات فماذا تجدي المعونات التي تقدم لهم إذا ظلوا خارج النسيج الرئيسي للنشاط الاقتصادي؟
وتلافيا لهذا القصور فإنني أدعو إلى ما أسميه النمو المنصف أو التوزيع عند المنشأ، وأعني بذلك أن تبدأ عمليات تصحيح خلل توزيع الثروة من سياسات وتفضيلات تخصيص الموارد؛ فعندما توجه الموارد للقطاعات والمناطق الضعيفة أو التي تستوعب أعدادا أكبر من الفقراء فإننا بذلك نضمن تحسين قدراتهم وادماجهم في دورة النشاط الاقتصادي وزيادة معدلات الطلب الكلي التي ستقود لتحفيز المنتجين فيتوسع الاستثمار وتنتعش القطاعات والمناطق.
يستدعي النمو المنصف دمج توجهاته وأولوياته في استراتيجيات التنمية، فتصبح أكثر محاباة للفئات والمناطق الضعيفة، وتركز على القطاعات الانتاجية ذات القدرة الأكبر على التشغيل فتعطى أولوية قصوى في جذب الاستثمارات وتحفيز القطاع الخاص لولوجها. ، يؤدي نمط الانفاق الحكومي وتخصيص الموارد المتحيز ضد المناطق والفئات الضعيفة لسلسلة من الاختلالات تدفع بالمجتمع للتوتر والأزمات، هذا فضلا عن النتائج الاقتصادية المباشرة. وإذا ما وصلت الأوضاع إلى هذه النقطة لن تجدي برامج تخفيف الفقر أو إعادة توزيع الثروة عبر سياسات الدعم الاجتماعي وذلك لأن حجم الخلل هيكلي ومداه يضرب عميقا في بنية المجتمع ومكونات وجوده. والعكس تماما ما يحدث عندما نعيد تخصيص الموارد منذ البدء فنتوجه بالرعاية للمناطق والقطاعات الضعيفة والتي تتميز بالقدرة الأعلى على التوظيف والتحريك لطاقات المجتمع؛ ففي هذه الحالة تؤدي محاباة هذه القطاعات والمناطق إلى تحفيز الاستثمارات وزيادة معدلات التشغيل مما يدفع بمعدلات الطلب الكلي في المجتمع خاصة إذا علمنا أن الفقر الريفي أكثر استجابة لزيادة الإنتاج بخلاف الفقر الحضري الذي يتأثر بسياسات إعادة التوزيع.
إن طريق الصادر والبرادايم الذي يميز مشروعات النفير تبشر ببروز نماذج جديدة في التنمية المحلية، نماذج تضع بناء قدرات الناس وتذليل العقبات واتاحة الفرص في أولويات اهتماماتها ، وهي بذلك تعلي من قيمة العدالة وتوزيع الثروة بنمط أكثر انصافا وأضمن للاستدامة.
![]()