سنجة الحبيبة..شروقها لوحة فنية أبدع راسمها
سنجة الحبيبة..شروقها لوحة فنية أبدع راسمها
كتبت: أميرة الفاضل مسعود
غنت إيلاف: بكرة الهم يفوتنا نرجع لبيوتنا والخرطوم أمان .. ولكن.. لقد فاتنا الهم يا إيلاف ورجعنا لجذورنا سنجة وأبوحجار..
لقد فاتنا الهم ما أن وطأت أقدامنا أرض سنجة الجميلة .. فقد استقبلتنا خير إستقبال ..
ما تزال ذكرى أول يوم فيك يا سنجة عالقة بذهني .. حُسن إستقبال أسرة حسن العقيد وهم ينتظرونا لمنتصف الليل .. الكل في انتظارنا وإستقبالنا كأهل عريس..الحفاوة وكرم الضيافة.. البشاشة واللطافة .. ما أصلو سنجة حلوة بناسا ..
أبت ليلتنا الأولى تنتهي الإ بنزول المطر .. مطر! بنزوله أزال كل توتر جئنا به ..
صبيحة أول يوم في سنجة لم نفارق منزل أسرة العقيد الإ بعد قيامهم بكل واجبات الضيافة والفطور ..
جئنا الى دارنا .. ديار الفاضل مسعود .. لك الرحمه و الغفران بقدر ما جعلتنا في آمان من مصائب الدهر .. أصبح لنا دار يأوينا بفضلك يا أستاذ إسماعيل فقد كنت خير وصي لديار أبينا..
أبت الأمطار إلا أن تغمرنا يفيض كرمها .. ما أن جئنا الإ وبدت الشوارع والفسحات تكسو بالخضرة .. لقد فرشت لنا سنجة أرضها خضرة!
منظر يسر العين ويدخل البهجة في النفوس .. منظر الأرض مغطاة بالخضرة والسماء زرقاء ملبدة بالغيوم مبهج! .. رأينا كيف تتجمع السحب في ثواني ..ينزل المطر في مكان وتسطع الشمس في الجانب الآخر .. رأينا قوس قزح .. إبتهجنا وفرحنا كالأطفال مع سقوط حبات المطر .. رأينا نِعم الاله ..الخضرة والماء والوجه الحسن ..
نعم إنسان سنجة ذو ملامح أصيلة .. جميلة .. راقية ..فهي سودان مصغر .. فقد جمعت العرب والزرقة والحلب في مكان واحد لا فرق بينهم .. قد يكون هذا تصنيفنا نحن لهم .. (فقد أتينا بتلوث العاصمة)، ولكنهم لا يفرقون فيما بينهم.. هم يعيشون حالة الجيرة والامتزاج في أنقى صوره.. يعيشون حياة حقيقية .. خالية من التعقيدات والكلفة..أبوابهم مفتوحة .. يستقبلون القريب والغريب بنفس البشاشة والترحاب .. ليس لديهم خوف من أحد.. ليسوا قلقين .. متوكلين.. لايشكون ضيق الحال وأن ضاقت بهم .. مستوري الحال .. نفوسهم غنية و بلادهم أغنى..
انها سنجة يا سادة!
لقد رجعت بنا الي زمن جميل.. زمن سمح .. سماحة الجيران .. ونسة الحائط معهم ..الترحاب .. انت مرحب بك في أي وقت .. تشرب قهوة .. شاي .. أن وجدتهم يأكلون ..تأكل معهم بنفس راضية وبكل سرور ..
شكل البيوت هو تماما مثل بيوتنا زمان قبل أن تكبر الأسر وتتمدد.. الحوش المتسع .. حائط السور الخارجي بدون وصلة بناء ملحقة به .. كمية الأشجار والأزهار متسقة فيه .. الضفرة أو رمال الحوش ..
الناس في الشوارع يلقون بالسلام .. السلام عليكم .. وعليكم السلام .. تحية يلقيها عليك الصغير قبل الكبير .. الذي لا يلقي السلام تعرف انه (ما من سنجة) .. ولكن هيهات .. من عاشر قوما .. فقد أصبحنا نزاحمهم في أجر إلقاء السلام ..
سنجة!
شروقها لوحة فنية أبدع راسمها ..
نهارها هادئ.. الصبية الصغار يلعبون .. كتيراً ما وجدت طفولتي فيها .. المساء والعصريات .. ولحسن حظنا بيتنا مطل على ملعب لكرة القدم .. مسجد .. نادي إجتماعي ثقافي .. عصراً بدري يأتي الفتية للعب والتمارين .. يملئون المكان ضجيجا وحياة .. المصلين يلبون نداء الصلاة في المسجد المجاور.. ومن يريد لقاء الاصدقاء والانُس فنادي النيل أولى به ..
أحببت ليلها الدافئ جميعنا ملتفين حول التلفاز في جلسة حميمية متراصة الأسِرة ..
سنجة!
لقد قضينا الخريف فيك .. أكلنا كل خيراته .. المنقة .. الله على المنقة .. منقة (ود الجزولي) .. الموز ثلاثة وأربعة كيلو بالف .. لا نذهب للسوق الا ونرجع به .. الجوافة .. جوافة شجرة البيت وجوافة البحر .. جوافة البحر، القفة بألف .. جوافة البيت وما أحلاها.. جميعنا نتسابق ونتشاجر للحصول على (الجبادة) .. أو تسلق أحد اليافعين سقف البيت وحصد الكتير الشهي من الجوافة ..
أكلنا الموليته.. التبش .. عيش الريف والعنكوليب..
جاء الشتاء ..ويا له من شتاء .. شتاء ناعم رطب كرطوبة (الاسبلت) .. شتاء جاءت معه المنقة مره أخرى.. ياله من سودان .. موسمين للمانجو.. الموز سيد المواسم .. ظهرت الطماطم .. إختفى التبش، كثر العجور ..انتهت الموليتا، جاء الجرجير .. الدوم لين سهل (الكد) .. اللالوب ..و خيرات لاتعد..
سنجة!
السوق.. وما أدراك بسوق سنجة .. ما أن اتينا تفاجئنا برخص أسعار السوق .. الخضار باربعمائة شيل .. ثلاثمائة تجد.. إندهشنا بقيمة البيع أقل من خمسمائة .. فقد كانت الخمسمائة رقما زهيدا تركناه في الخرطوم .. لك الحمد يا الله ..لقد عرفنا قيمة القرش .. القليل منه يأتي بأشياء مفيدة ..
لك الحمد يا الله في سنجة نعِمت بأكثر من الستة أشهر بعافية لم أزر فيها الطبيب .. الطبيب الذي لا استغني عن زيارته مرتين بالشهر في الخرطوم .. لك الحمد والشكر .. ذهلت بثمن أول شراء لاقراص التحسس بمائة جنيه!
سنجة!
النشاطات الاجتماعية الثقافية .. البازارات .. المنتديات .. الحفلات .. المناسبات .. الافراح والاتراح.. تجدهم متفاعلين متعاونين.. أفراحهم جميلة هادئة مرتبة مثلهم ..
شهدنا المآتم الحي بأكمله يخرج للوداع الأخير .. يحملون الجثمان راجلين الى مثواه الأخير..في مقابر الفكي نصر.
عيدنا الأضحي.. الجيران هم من يذبحون لك.. يفطر الرجال في الشارع مع بعضهم .. النسوة يتبادلن الصحون .. زاد الحبان ليهو مكان ..
حضرنا المولد .. إنتشينا بالذكر .. ذكر نبي الله الهدي ..
رأس السنة .. إحتفلنا به .. رغم جراح الوطن ..أعددنا الخبائر ..الجيران تشاركوا معنا بالكيك وشاي الحليب .. إمتلات طاولتنا بكل ماهو موجود ..إحتفلنا بصحبة جيراننا.. خرجنا للشارع .. أحتفل الناس بالألعاب النارية.. القوات النظامية بالطِلق الحقيقية .. تبادلنا الأمنيات .. أمنيات وقف الحرب .. لا للإحتراب .. مايجمعنا أكثر مما يفرقنا ..
تعالوا الى سنجة .. أذهبوا لكل ولايات وقرى السودان لتروا كيف يعيش الناس .. بالبساطة .. بالرضا .. بالتوادد بالمحبة .. رأينا كل ذلك بأم أعيننا.. أنشكر الله على قيام الحرب؟! .. الحرب لعينة .. ولكن حقا رب ضارةً نافعة ..قامت لترجعنا لجذورنا .. رجعنا ورجعت معنا كل ذكريات الطفولة وأحلام الصبا! .. قامت لنرى كل هذا الجمال .. قامت لتطوف بنا (سنجة) إلى رحاب أريافها وقُراها .. أبو حجار.. ود الجزولي.. الصابونابي ..سيرو .. سنادة .. والقائمة ستطول..
وكما قامت فجأة .. ستنطفئ فجأة و (الحزن القديم …تمطر تزيلو سحابة)..(لا أطفال حزانى…لا نازحين و غلابة)
وحنشوف الدنيا حلوة و يتجدد فرحنا باذن الله تعالى ..
![]()