حديث الأرواح في البرزخ: إبتسامة لا تنطفئ فى ذكري رحيل جدي وأبي
عطبرة : عبدالرحمن الكيال
عندما تغيب عنا الوجوه التي أحببناها، تظل ذكراها تسكن أرواحنا، تعيد رسم تفاصيلها في خواطرنا، وتنبض في قلوبنا كلما إستدعيناها.
ومع كل ذكرى، هناك مشهد معين يرفض أن يبهت، كإبتسامة عريضة إرتسمت ذات يوم وشاركتها أخي إبراهيم جدي الحسن الكيال بحب، كأنها سر لا يفصح عن نفسه إلا لمن عاشه ألا ليت الزمان يخبرني بما دار بينكما آنذاك.

في لحظات التأمل، أتساءل: هل تلتقي الأرواح بعد الرحيل؟ هل يجتمع الأحباب الذين فرّقتهم الدنيا في عالم البرزخ كما كانوا في الحياة؟ إن كان الحب هو الذي يجمعهم، فلا عجب أن تكون الإجابة: نعم. فروح الإنسان ليست مقيدة بالجسد، بل هي طيف يحلق حيث يشاء، تربطها بالآخرين روابط لا تنفصم حتى بعد الموت.
الابتسامة التي أسأل عنها ليست مجرد صورة جامدة في الذاكرة، بل هي انعكاس لحياة كاملة، مليئة بالحب والمواقف والذكريات التي لم تمت.
ربما كانت تلك الإبتسامة آخر ما تركه الأحبة لنا، رسالة صامتة بأنهم في مكان أفضل، يلتقون ويتجاذبون أطراف الحديث كما كانوا في الحياة، يتذكرون الأيام، ويتابعون أخبار من يحبون من خلف ستار الغيب.
ذكرى جدي الراحل: الحسن عبدالرحمن الكيال
في 11 فبراير 2023م، رحل عن دنيانا جدي العزيز الحسن عبدالرحمن الكيال، عميد أسرة آل الكيال، تاركًا خلفه إرثًا من المحبة، والذكرى الطيبة، والقيم النبيلة. لكن رغم الغياب، لا يزال حضوره يملأ وجداننا، ويبعث فينا الحنين إلى تلك الأيام التي كان فيها نورًا يضيء مجالسنا، وحكمةً تهدينا في مسيرتنا.
نظرتُ في وجوه الحاضرين، فلم أجد وجه جدي بينهم. جلست بين القوم، أهيم في ذكراه، وعيناي تتجول على من حولي، بينما يستعيد عقلي صوره المحفورة في الذاكرة. تارةً أراه مستلقيًا على سريره، وتارةً أخرى جالسًا في الصالون بوقاره المعهود، وأحيانًا أستمع إلى صوته وهو يجهر بالدعاء عقب إفطار رمضان، كما كان يفعل منذ أعوام. لكنه اليوم لم يكن بيننا، ولم يتبع الإفطار صوته الشجي بالدعاء كما إعتدنا.
غير أنني لا أستطيع أن أمنع نفسي من التساؤل: هل تلاقت روحه مع روح أبي هناك؟ هل إجتمعا كما كانا يفعلان في الحياة، يتحدثان عن الدنيا وأهلها، ويتابعان أخبارنا من بعيد؟ إن كان الحب صادقًا، فلابد أن الأرواح التي ألفت بعضها في الحياة تستمر في تآلفها بعد الممات، كما قال النبي ﷺ: “الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تنافر منها اختلف.”
إحياء الذكرى وصلة الأرحام
من رحم الحزن تولد الأفكار النبيلة، وفي غياب جدي جاءت فكرة قد تكون لمسة وفاء تليق به وهي إقامة إفطار سنوي تخليدًا لذكراه، ليس مجرد اجتماع على مائدة، بل لقاء يجمع الأهل، يتبادلون فيه الذكريات، ويحيون قيمه ومبادئه، ويتناقشون في قضايا الأسرة، مما يعزز أواصر المحبة والتواصل بين الأجيال.
إنها لحظة للتأمل، فكل عام يمضي، ويغيب عنا نفر كريم من أفراد الأسرة، ولا نملك لهم سوى الدعاء بالرحمة والمغفرة، راجين من الله أن يجمعنا بهم في جنات الفردوس الأعلى.
الموت يطوف حولنا، يأخذ منا الأحبة، يترك وراءه فراغًا كبيرًا، لكنه لا يستطيع محو ذكرياتهم من القلوب.
رحمة الله عليكما يا جدي ويا أبي
إنني إذ أرثي جدي وأبي، فإنني أرثي قيمًا تجسدت في حياتهما، ونستلهم منهما حب الأسرة، والكرم، والتواضع، والصبر. نسأل الله أن يرحمهما رحمة واسعة، وأن يجعل قبريهما روضة من رياض الجنة، وأن يجمعنا بهما في مستقر رحمته. كما نسأله الرحمة والمغفرة لجميع موتانا وموتى المسلمين، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
![]()