آخر الأخبار
The news is by your side.

 تأملات قرآنية … بقلم: د. هاشم غرايبه

 تأملات قرآنية … بقلم: د. هاشم غرايبه

يقول تعالى في الآية 38 من سورة الأنعام: “وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ”.

في هذه الآية استوقفتني محطتان:

الأولى: هذه إحدى الآيات القرآنية التي تثبت الإعجاز العلمي للقرآن، وأنه من عند الله، لأن فيها إعلام الله للبشر بما لم يكونوا يعلموه زمن التنزيل، فقد احتاج العلماء بعدها عدة قرون حتى عرفوا أن المملكة الحيوانية تتألف من عدد هائل من الكائنات، يفوق عدد البشر بمئات الأضعاف، ولضخامة حجمها فقد اتفقوا على تقسيمها الى قسمين رئيسين: الفقاريات كالثدييات والطيور والأسماك ..الخ، وتشكل 3 % منها، واللافقاريات 97 %، كالديدان والاسفنجيات والرخويات.. الخ.

هذا معنى (أُمَمٌ أَمْثَالُكُم)، فمثلما البشر أمة، فالطيور أمة والحشرات أمة وهكذا.

اكتشف العلماء أن هنالك نظاما عاما يحكم أفراد المملكة الحيوانية جميعها، من أصغرها حجما فلا يرى بالعين المجردة الى أكبرها كالحوت الذي يبلغ ثلاثين مترا، وهو أنها تولد جميعا، سواء ولادة أو فقسا من بيضة، وتعيش عمرا محددا لكل نوع، تمارس خلاله وظائف محددة، وجميعها مكونها الأساسي المشترك هو الماء، وجميعها تتغذى وتنمو وتموت، ويتحلل جسدها الى العناصر الأولية التي تتكون منها، وهي ذاتها مكونات التربة الأرضية.

هذا الأمر يفترض بمن يستخدم عقله، أن يوصله الى أن هذا النظام الموحد المنتظم، دليل ساطع على وحدانية الخالق، فمن غير المنطقي أن تنشأ هذه المليارات من الكائنات على نسق واحد، وتتجدد على مدار العصور بالكيفية نفسها، لم تتبدل طبيعتها ولا تغيرت مهامها منذ القدم، وأن يكون ذلك بمحض الصدفة أو نتاج عشوائية..!.

لو عدنا الى بداية الآية، (َمَا مِن): فحرف (من) اذا سبقه ما وتبعه نكرة، تكون للتأكيد والاستغراق في الجنس، ويأتي ما بعد (إلا) الخبر الذي فيه الجواب والتوضيح.

ذلك يعني خبرا مقطوعا بصحته، أي بما نسميه في اللغة المعاصرة (حقيقة علمية).

هذا يدل على كم أن المكذبين بالدين متعصبون منغلقو العقل، وكم هم بتلك المكابرة يسقطون مصداقيتهم العلمية، لأن العالِم الحق لا يتعصب لرأي مسبق، بل ديدنه التحقق والتيقن والرجوع الى الحقيقة ولو خالفت ما كان يعتقد.

فعليا لا تجد بين الأوروبيين عموما، من أجهلهم الى أعلمهم، مؤمنا أم ملحداً، من يعترف بأن القرآن كلام الله، فحتى من يعجبون بمضمونه وينسبونه الى محمد (صلى الله عليه وسلم)، لا يعتبرونه مصدرا معرفيا (كالكتاب المقدس مثلا)، بل يرفضونه كليا، لدرجة أنهم يأخذون من خرافات كتب الإغريق والهنود والصينيين، ولا يأخذون من حقائقه الثابت صحتها.

المحطة الثانية: قال المفسرون ان: (ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) مقصود بها الحيوانات، منهم من قال ان الحيوانات ستحاسب على أفعالها مثل البشر، وحتى العنزة ستسأل لِمَ نطحت أختها، وبين من قالوا أن الحشر يعني موتها وليس الحساب.

لقد أعلمنا الله تعالى أن المكلفين من خلقه هم فئتان فقط هما الإنس والجن، وسماهما الثقلان، لأنه أعطاهما الخيار في الإيمان به أو الكفر، لذلك سيحاسبون فرديا على ذلك الخيار والأفعال، والبشر زيادة على ذلك بمدى أداء أمانة الاستخلاف في الأرض، بينما باقي الكائنات الحية فقد بين لنا أنه: “مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا” [هود:56]، أي يقودها ويوجهها عن طريق الفطرة التي أودعها الله فيها، فهي تتصرف وفقها وليس لها من اختيار، كما أنها مسيّرة أيضا بالإيمان بالله، بدليل تسبيحها جميعا بحمد الله: “وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ” [الإسراء:44]، والشيء يقال لغير العاقل أي غير الإنسان، وبالتالي فهي بخلاف البشر تسقط عنها المساءلة.

فالأصح إذاً أن المقصودين بـ (يحشرون) هم ذاتهم البشر المكذبين بالدين، والذين ذكرهم تعالى في الآية السابقة: “وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ”، وليس باقي الكائنات، بدليل أن الخبر الذي بدأت به الآية: “ما من دابة …” انقطع بالجملة المخالفة للسياق ” مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ”، فقطع السياق جاء لفصل المعنى، أي أن الحشر ليس متعلقاً بما بدأ به الخبر، بل بمن جاءت هذه المعلومة لإعلامهم.

هذا والله أعلم بمراده.

Loading

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.