آخر الأخبار
The news is by your side.

 تأملات قرآنية … بقلم: د. هاشم غرايبه

 تأملات قرآنية … بقلم: د. هاشم غرايبه

يقول تعالى في الآية 16 من سورة الإسراء: “وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا”.

اختلف القراء في قراءة قوله تعالى: (أمرنا)، فمنهم من قرأها بالتشديد (أمّرنا)، ومنهم قرأها بالتخفيف، وهو المشهور.

وتبعا للقراءتين اختلف المفسرون في معناها، فقيل: معناها أمرنا مترفيها ففسقوا فيها أمرا قدريا، كقوله تعالى: (أتاها أمرنا ليلا أو نهارا) [يونس:24].

وقال آخرون معناها: أنه سخرهم إلى فعل الفواحش فاستحقوا العذاب.

وقيل: أمرناهم بالطاعات ففعلوا الفواحش فاستحقوا العقوبة، وهذا رواه ابن جريج عن ابن عباس، وقاله سعيد بن جبير أيضا.

وقال ابن جرير: وقد يكون المعنى جعلناهم أمراء، لكن علي بن طلحة روى عن ابن عباس قوله أنها تعني: سلطنا أشرارها فعصوا فيها ، فإذا فعلوا ذلك أهلكتهم بالعذاب.

هكذا اختلفت أقوال الأقدمين، لذلك لا حرج على المحدثين من الإدلاء بدلوهم، ومن خلال البحث في الأمر، فإنني أرجح قول من قالوا بأن القراءة بالتشديد على الميم وليس بالتخفيف، وحجتي في ذلك ما يلي:

1 – إن قُرئت بالتخفيف، فيعني ذلك أن فسوق المترفين جاء نتيجة أمر إلهي، أي هو قدري، وليس باختيار المترفين أن يفسقوا أو لا يفسقوا فيها، لأنه ليس بمقدورهم معاكسة ما أمرهم الله به، فهل يستقيم ذلك مع عدالة الخالق ورحمته القائل “لا يكلف الله نفسا إلا وسعها”، فهل يعاقب الله من نفذ أوامره واستجاب لها؟.

2 – المبدأ الهام والذي لا استثناء فيه، هو أن الله لا يأمر بفعل منكر، وذلك مؤكد في كثير من الآيات، منها: “وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ” [الأعراف:28]، وقوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ” [النحل:90]، فهل يمكن أن يأمر الله أحدا بالفسوق…حتى ولو كان فاسقا أصلا!؟.

3 – لا يصح قول من قالوا إن الله أمر المترفين بالطاعات ففعلوا الفواحش وبناء على ذلك استحقوا العقوبة، لأن فعل (أمر) متعدٍّ وليس لازما، يتعدى بنفسه لمفعول به ويتعدى بالباء، أي يجب أن يلحق به تبيان الأمر، فكان الأولى أن يبين تعالى بماذا أمر المترفين، وبما أن الأمر الذي أمروا به مصيريا أي يتعلق بإهلاك القوم، فلا يمكن أن يحذف لأغراض البلاغة، فما يحذف هي الأمر التي لا لزوم لها أو تفهم من السياق.

4 – إهلاك القرى جعل الله لها سننا قاطعة واضحة، وأمره بذلك يأتي دائما بعد استنفاد كل الأسباب، وضمن القواعد الأربعة الواردة في قوله تعالى: مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا” [الإسراء:15].

وحتى تستوفى كل الشروط الواردة يجب أن يعم المجتمع فساد عام، ولن يتحقق ذلك إلا إن تولى قيادته فاسقون.

وجعل سبل النجاة متاحا وهي تحقق أحد أمرين، الأول: وجود النبي صلى الله عليه وسلم فيهم ماديا أو إقامتهم لمنهجه، والثاني وجود المستغفرين من بينهم: “وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ” [الأنفال:33]، فذلكما أمران يَجُبُّ أحدهما عن القوم سنة الإهلاك، وما يحول دون تحققهما أن يلي أمر القوم فاسدون مفسدون.

5 – يصف كتاب الله دائما طبيعة المترفين بالفساد والكفر ومحاربة منهج الله: “وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍۢ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ” [سبأ:34]، وقوله: “إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ ” [الزخرف:23]، لذلك فليسوا بحاجة الى آمر بالفسوق، فذلك طبعهم، لكنهم إن تسلموا السلطة لا شك أنهم سيفسدون وسيطغون.

وأخيرا يبقى السؤال: رغم كل ما اوردت من أدلة، لماذا الإصرار على أن اللفظة هي (أمرنا) وليست (أمّرنا)؟.

لا بد أن لذلك علاقة مع السلطة الحاكمة بعد القرن الأول، وأغلبهم من المترفين، وفقهاء السلاطين وظيفتهم لي الأحكام الشرعية، ليزينوا أفعالهم، ويدفعوا عنهم ما يدينهم.

Loading

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.