آخر الأخبار
The news is by your side.

تأملات قرآنية … بقلم: الدكتور هاشم غرايبه

تأملات قرآنية … بقلم: الدكتور هاشم غرايبه

يقول تعالى في الآية 28 من سورة الإنسان: “نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلا، إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا، وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا”.

يتحدث الله تعالى في هذه الآيات عن بعض سننه التي لا مجال لتبديلها، لذا فهي حقائق قاطعة، فهو قد خلق الناس لعِلّةٍ أرادها وبيّنها لهم، وبسبب إحكام خلقهم ودقته، وامتلاكهم العقل الذي به يدركون ذلك، وبما عرفوه من أنهم أفضل الخلائق الموجودة، وهم المتحكمون بها والقادرون عليها، فقد يؤدي ذلك الكمال في تكوينهم الخلقي وتلك المعارف التي تميزهم عن المخلوقات الأخرى، الى توهمهم أنهم جبارون، وأنهم هكذا وجدوا أصلا كاملين، لذا فلن يقدر عليهم شيء.

هنا يأتي التذكير بأن من خلقهم من العدم وعلى غير مثال سابق هو القادر عليهم، وبيده وحده مصيرهم إن أراد بهم خيرا أو أراد بهم سوءا، ولا مانع لهم من أمره ولا راد لقضائه فيهم.

وهنا لا بد من التوقف عند بعض المحطات:

الأولى: انه تعالى استخدم الحجة ذاتها التي جعلت البشر يتعالون ويستكبرون عن الإيمان بالله والخضوع لإرادته في اتباع منهجه الذي وضعه لهم (الدين)، فيذكرهم بأنه هو الذي أخرجهم في هذه الصورة البديعة من الإحكام في الخلق، ثم يبين لهم بقوله تعالى: “وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ” أنهم مع ذلك لا يمكنهم الخروج على أمره.

فالأسر تعني الكل، كأن تقول: طفت العالم بأسره، أي كُلّه، وشددنا أي أحكمنا، ولم ندع مجالا لأي انفلات من ضبطنا لهذا الخلق، ومن ذلك جاءت لفظة الأسير لتعنى الشخص الموثق فلا يملك حريته.

لذلك أورد الله تعالى العبارة بهذه الصيغة، لكي تعني أن البشر جميعا في قبضة الله ولا يملكون لأمره دفعا إن أراد بهم شيئا.

وهكذا نتعلم قمة الإعجاز في المحاججة، عندما تأتي الطرف المقابل من القواعد التي بنى عليها رأيه، فيخر السقف الذي يؤويه.

الثانية: نلاحظ رحمة الله ورأفته فيهم حتى في التهديد والوعيد، فلم يُذكّرهم تعالى بقدرته على قصمهم وإهلاكهم بل تجاوز ذلك برفق الى الإستبدال، وهو يؤدي المعنى ذاته لكن من غير إرعابهم، فالإستبدال لا يتم إلا بإحلال قوم مكانهم وهذا يقتضي من باب الوجوب إفناءهم وإنهاء وجودهم كله.

الثالثة: الإستبدال سنة من سنن الله، وهي حق مثلها مثل الخلق الأول، وقد جعلها الله عقوبة قاصمة لمن يصل به عصيانه وإصراره إلى تنكب الهدى بعد إذ إقام الله عليه الحجة “وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً” [الإسراء:15].

وقد يكون ذلك بحق جماعة أو قوم أو البشرية جمعاء، إذا قدر الله أنهم مصرون على كفرهم واستكبارهم عن عبادته، وانقطع وجود المصلحين بينهم، كما حدث مع الأقوام السابقة، ومنهم قوم نوح الذين مكث فيهم ٩٥٠ عاما يدعوهم ولم يزدد عدد المؤمنين عمن آمنوا في البداية،عندئذ أهلكهم جميعا لكنه برحمته أنجى المصلحين.

الرابعة: أن هذا التذكير بمثابة إنذار، فلا يعني انقطاع الرسل والأنبياء تعطيل هذه السنة الكونية، فقد غطت وسائل الإتصال كل أرجاء العمورة، ولم يعد من مكان لم يصله الإسلام أو لم يسمع بكتاب الله.

لذلك ليس هنالك من هو بمنجى من هذه العقوبة في أي مكان وزمان، فقد وردت في القرآن الكريم مرات عديدة: “إنْ يشأ يُذْهِبْكُم ويَأتِ بخَلْق جديد” [إبراهيم:19]، و”إِنا لقادرون على أن نبدّلَ خيراً منهم” [المعارج:40]، و “إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ” [النساء:133] .

الخامسة: بعد كل هذا، أبقى الغفور الرحيم بابا واحدا للنجاة، مفتوح دائماً، إنه التوجه اليه والاحتماء به من غضبه، فعنده فقط الأمان والإطمئنان، والسبيل سهل ومتاح للجميع: إنه الإيمان به وطاعته.

السادسة: يقرر الله تعالى الحقيقة المطلقة في هذا الكون، وهي أنه لا إرادة غالبة لإرادته، فكل شيء في الوجود موجود بأمره، وكل حدث يحدث بمشيئته، ويثبت ذلك انتظام سيرورة الكون، والتكامل في وظائف جزئياته، ويدل في النهاية على أن من هو وراء كل ذلك لا شك عليم بدقائقه، حكيم في تنظيمه.

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.