آخر الأخبار
The news is by your side.

الصندوق الزجاجى قصة .. يوم في حياة طفل توحد 

قصة.. يوم في حياة طفل توحد 

الصندوق الزجاجي… د.. سحر حسن 

إستيقظ متثائبا مغمض العينين رافضا ان تغادره تلك الرؤى الجميله حائرا في تفسيرها غائبا بين تفاصيلها تلك التفاصيل التي لا  يستوعبها ، غاص في جدران ذاكرته التي عشعشت بها عصافير تتغنى  بطلاسم ضياع سرمدي، محاولا تذكر جزء من بقايا حلما ممتدا بين أوعية السراب .كان يبحث لاهثا وراء تلك الكلمات و تلك الضحكات . فهو يدري تماما انه كان هناك لذلك  لا يريد ان  يفتح عينيه قبل ان يستدرك ذلك الفرح و تلك الأمنيات.محاولات بائسة للإسترجاع و للإستدراك بحثا عن تلك القيمه و ذلك المغزى .. لم يجد بدا غير النوم مرة أخرىً و التمسك بذيل تلك الذكريات. أغمض عينيه و غاص في بحر من الضياع .. هنالك أشياء تختفي وأشياء أخرى تظهر جليا و لا تختفي .

إحتار في كونه قريبا كل القرب و بعيدا في  نفس الوقت ..إستيقظ مرة اخرىً حزينا و هو لا يعلم سبب حزنه ولا ماهية ذلك الشجن العميق . عندها سمع صوت قوي جدا أزعجه..أخافه  كانه  مطرقة وحش من وحوش الظلام. أخذ يتلفت يمنة و يسرة حتى أخذه الصوت الى ذلك المكان  في الجدار حيث توجد ساعة قديمة عفى عليها الزمن و لكن عقاربها لم تعفه من ذلك الألم و ذلك العذاب .. كان ينظر الى تلك العقارب متوسلا اليها  أن تهدأ أو  تبتعد عنه و لكن عقارب ساعة الجد كانت قويه شامخه عنيده أبت إلا أن تزعجه و تحرمه من الرجوع الى ذلك الحلم .

أستدار على الجهة الأخرى و معه وسادته التي اخفى بها وجهه منهزما منسحبا فهو لا يقوى على حرب تلك العقارب مكتفيا بتلك الحرب التي لا تهدأ و تلك الأماكن التى لا ترقى لأن تستوعبه بين ثكناتها .. ثم بدات تظهر له بعض الوجوه المبتسمه تارة و العابسه  تارة اخرى ، اقتربت منه الوجوه العابسه فركض و اقتربت منه الوجوه الضاحكه فركض اكثر طارقا أبواب اللاوعي حتى تنقذه من هذه الوجوه التي لا يفهمها ولا يقرأها.أستيقظ مرة اخرىً و صوت عقارب الساعه قد اختفى . كان فرحا بالهدوء الذي لا يستوعبه . ولكن هيهات لمثله ان يعرف السكون.. لان صوت المطرقه عاد مرة أخرىً و لكن هذه المره من النافذه نظر ببطئ الى محدث تلك الضجه فوجد عجوزا أبيض الشعر غائر العينين .

كان  يريد ان يمد له يد المساعدة ، يريد ان يزيح عن عينيه رماد السنين و بياض ثلوج شتاء الحنين .. لكنه لم يعرف كيف. نظر العجوز له بحزن و نظر لتلك الفواكه التي كانت تزين طاولته الصغيره الموضوعه بجانب سريره. إستشاظا العجوز غضبا محدقا به لائما له قسوته ، ضاربا بعصاه أطراف نافذته حتى تناثر جزء من زجاجها و طار بعيدا ثاقبا جدار ذاكرته محدثا بها تلك الذبذبات التي ما ان لامستها حتى جعلت كل خلاياه تتجانس محدثة ذلك التفاعل  الذي يصنع معنى للأبعاد الزمانيه و المكانيه ،لاغيا معنى الظلال التي تهيم بروحه بين حوافها فلا يستطيع ان يفهم ماذا  يريد منه الاخرون  او ماذا يريد هو من نفسه و اين هو من ذلك التوهان الذي يميزه و تلك الرؤى التي تزعجه و فجاءه تلاشت تلك الوجوه من امامه  وطبعت تلك القبله على جبينه تاركه ذلك الاحساس الذي يدمنه و يعشقه دون ان يدري للعشق معنى.

  فتح عينيه الصغيرتين لامحا والدته تجلس بجانبه ممسكة بيده مطمئنة له بانها هنا وقد جات لتحسم تلك الفوضى العارمه في جنبات روحه ، واضعه حدا لجنون تلك الذبذبات العاليه ، منقذة إياه من الغوص في اعماق ظلالها التي ما ان تتقاطع حتى تتوازى مسببة ذلك التناقض الذي يفتك به في كل ركن من اركان حلمه المستمر السرمدي  الذي ما ان ينتهي حتى يبدأ مرة أخرى .عانق والدته دافنا راسه بين أحضانها فهي  الابجديه  الوحيدة الذي يدرك حروفها جيدا ،أحتضنته هي ايضا بقوة  لعلها تستطيع معرفة ما الذي يدور في عقله الصغير ملتصقة به بقوة محاولة إختراق خلاياه لعلها تتمكن من معرفة ذلك الحلم و تجميع تلك الرؤى.. ثم ذهب هو ووالدته الى ممارسة تلك الطقوس اليوميه التقليديه الرتيبه التي لا تعني له شيء غير معنى الألفة و التعود .

أخبرته بان هنالك حفل زواج  سيقام اليوم في بيت إحدى أقاربهم و انه يجب ان يكون أجمل طفل لذلك أخرجت له ثياب جديده  ثم بدت تلبسه اياها ، إرتعب و بدأ الصراخ رافضا ان يرتدي ملابسه الجديده فهو لا يعرفها لا يألفها ..جميله لكنه لا يحبها، براقه و لكن ذلك البريق يزعجه .. يقلقه .. تلك الازار لماذا هي كثيرة هكذا … ولماذا ملمسها مقرف كأنها الآف من الافاعي تلتصق بأطرافه ..وذلك الحذاء الاسود كسواد روحه في تلك  البئر  في إحدى رؤاه الضائعه .كان  لا يسمع صوت والدته و توسلاتها فهو يسمع فقط  أصوات الرفض القادمه من دواخله.

انتصر هو في النهاية و استسلمت هي  لرغبته و تخلت  عن حلمها  في أن يكون الطفل الأجمل بملابسه لأنه في عينيها و منذ خروجه من رحمها بلا ملابس هو الأجمل بلا منازع.أشترت هدؤه النفسي بدلا من نظرات أعجاب صديقاتها و في المجمل اختارت ان تجامل روحه فهي الأهم .في السياره كانت تنتابه نوبات ذعر و خوف كلما ابتعد عن منزلهم .. كان ينظر في المرآه الخلفيه و كانه خارجا في رحلة أبديه بلا رجعه فهو لا يحب ان يترك أشياؤه .. بيته سريره ..إريكته ..تلفازه.. العابه و وسادته التي تشاركه انقساماته الروحيه محتملة  معه ألم تناقضات ذبذباته..تلك الذبذبات التي لا تهدأ ابدا. كان لا يريد أن يفارق صندوقه الزجاجي و عالمه الزجاجي.

وكان هنالك إذدحام في الطريق و كان كل ما حوله لا يعني له شيء سوى الضجيج … أبواق السيارات .. صافرات رجال المرور .. صوت مذياع السياره .. نقرٌ على النافذه  بأصابع إمرأة جائعه تحمل طفلا رضيع شديد الصراخ ..صوت الهواء في الاطارات .. مطبات الطريق .. كان يحاول ان لا يفقد هدوءه واضعا أصابعه داخل اذنيه في محاولات بائسه لمنع هذه الضوضاء من التعمق في دواخله فدواخله بها ما بها من ضجيج صامت.ثم أخيرا وصلو الى العرس … و كانت هنالك الكثير من الأضواء المنبعثه من كل مكان حول أرجاء البيت .

  كانت قوية لدرجة انه شعر بإستقامتها وحدتها وكأنها  تخترق صدره ..أغلق عينيه و أذنيه و لو كان بيده لإعتصر قلبه موقفا تلك النبضات القويه …أخيرا استطاعت أمه أخذه الى العرس. من ثم أنشغلت عنه  بالسلام على الحاضرين .. أمها ،أخواتها ،بنات عمومتها، بنات خالتها ،قريباتها ،و كثر هن الصديقات التي لم تلتقي بهن  منذ زمن.اما هو فأختار ان يجلس في ركن بعيد .. محاولا بقدر إمكان صنع حاجزا منيع بينه و بين الضوضاء و الضجيج .. بينه و بين الفرح .

بين هدوء عينيه و صراخ روحه .. بين المكان و اللامكان .. الزمان و اللازمان ..بين قوة ما يدور بعقله و عدم مبالاته بما يدور حوله . محاولا صنع ذلك الصندوق الزجاجي من حوله  .كان هنالك الكثير من الالوان و لكنه كان يرى   انكساراتها فقط   مع بعضها البعض .. تلك الانكسارات التي يعرفها جيدا .. طأطأ رأسه محاولا إستدراك هذا الإختلاف .. هذا التفرد .. هذا التميز .. هذا الضياع.. عندها اتت اليه طفله جميله بفستان أحمر و حذاء ذهبي و كأنها أميرة خارجه من إحدى قصص الخيال  المنسيه.

إبتسمت له و أعطته كعكه مزينه بكريمة بيضاء .. لكنه رفض ان ياخذها .. حزنت  الطفله و ذهبت … و حزن هو أيضا لانه لم يستطيع ان يلملم شمل مفرداته الضائعة  و يخبرها بانه سيتألم كثيرا ان قبل كعكتها  و ان هذه الكعكه الصغيره الشهيه كفيله بأن تقلب عالمه رأس على عقب فهي عاجلا ستنقلب و تصبح وحشا يفترس أحشائه .. لم يستطيع ان يخبرها أنه مختلف من الداخل و إن هذه الكعكعه الطريه سوف تذهب بعيدا و تسري مع دماؤه متوغله في أعماق عقله محدثة به ما لا يحمد عقباه .. خذلته اللغه و خذلته حروفها كما  خذلته سابقا  جيناته الوراثيه و انقساماتها.

كانت تدور في دواخله الكثير من الأحاديث و الحوارات … أسئله بلا اجابات ..ثم  أتت العروس .. تزاحم الكل لرؤيتها و المباركة لها .. تعالت الزغاريد … و صوت الأغنيات و الأمنيات بالسعاده و الرفاه و البنين … إمتزجت أصوات الدفوف مع أصوات الصغار و الكبار .. إزدحمت ذاكراته … تداخلت الكلمات والمفردات  … لم يعد يستطيع الفصل بين الواقع و ما  يدور بداخله ..كان يريد لهذه الاصوات فقط ان تهدأ ..أن تتلاشى  فهو لا يقوى على مقاومة تلك الذبذباات ..لماذا و كيف و اين و متى .. أسئلة تدور في رأسه و الضجيج يرتفع .. فلم يكن هنالك شيء سوى الرفض و الأنهيار .. فأصبحت تتنطلق منه أصوات قويه و هو يدور حول نفسه و يدور ، صانعا حلقات فارغه ممتلئه بعذابات روحه و قلقها ..تعالت صرخاته و كثرت دوائرها .. سكت الطبل .. سرحت العروس خوفا من نفس المصير .. هدأ الكل.

توقف الاطفال عن اللعب ممسكين بأمهاتهم متسائلين بصمت  ما الذي يحدث..أصدر أصوات غريبه هي أقرب ما تكون لهمهمات قادمه من عوالم أخرى .. و كأنها أصوات روح منزعجه مخترقة من الداخل ..حاول البعض إسكاته و تهدئة روعه و إيقاف هذه الدوائر من النمو فهي كالثقب الأسود تبتلعه و تتبلع معه المكان …إمتدت له أيادي بيضاء و أخرى سمراء لإحتوائه  .. لكنها كانت بمثابة  أفاعي بألف رأس و ألف لسان كلما إقتربت منه إقشعرت أطرافه و إنكمشت … الى ان امتدت له تلك اليد التي كان يعرفها و يحبها و يألفها .. إحتضنته أمه بقوة … واضعه حدا لهذا الجنون .. هذا التخبط … هذا الصراخ … هذه الذبذبات العاليه .. قائله : إبتعدو قليلا فإن طفلي توحدي ..عندها فقط .. توقفت التساؤلات و غلف الصمت المكان ..تركا كل شيء ورائهم و دخلا معا الى  السياره .. مرة اخرى تعالت أصوات الابواق … الضجيج .. الزحام .. الخوف .. الضياع .. المذياع .. الهواء ..العجوز .. الطفل الرضيع … الذبذبات … الحيره .. التوجس ..بيته … ألعابه … غرفته … وسادته .. أحلامه .. ثم نام.. نام  على أمل ان يتوقف كل ذلك … و نامت هي على نفس الامل ..

أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.