آخر الأخبار
The news is by your side.

 الحياة مدرسة … بقلم: د. هاشم غرايبه

 الحياة مدرسة … بقلم: د. هاشم غرايبه

لعل أثمن ما يملكه الإنسان هو الوقت، فحياته من مولده حتى موته محددة موقوتة، كلما انقضى منها ساعة نقص عمره وذهب الى غير رجعة، لذا لا يضيع العاقل من عمره دقيقة بلا نفع، سواء لنفسه أولغيره، وخير الاستثمارات هي ما تنمي عقله وعمله وعبادته، قد يناله تعب ونصب، لكنه زائل وينسى سريعا، فيما يبقى أجره زادا لآخرته.

والشقي هو من أضاع تلك السويعات الثمينة في الإضرار بالغير أو بحجب النفع عن الناس، أو باللهو وتضييع الوقت فيما لا ينفع.

أما الأشقى فهو من أضاعها في متعة محرمة، تزول بزوالها ويبقى وزرها ليتعذب به في دار الخلود.

العقل سيد الجوارح بلا منازع، فهو يتحكم بها ويوجهها، فإن كانت محاكماته سديدة، أنتج قرارات حكيمة، فوجّه لتصرفات نافعة، جلبت الخير للذات وللآخرين، أو لجمت أفعال الشر، فأنقذت الذات من سوء العاقبة، وجنبت الآخرين الظلم والخسارة.

استعمالات العقل لا تقتصر على ضبط الأفعال وتوجيهها، فذلك يعني القدرة على التحكم بالأفعال الغرائزية، ورغم أن ذلك أمرٌ جليل، وفعلٌ محمود ، إلا أن هنالك ماهو أسمى منه وهو إنشاء الفعل من أصله، وأقرب مثال على ذلك العبادة.

فهي قسر النفس على الرضوخ لإرادة أعلى، وذلك مناقض للرغبة الفطرية بالتحرر من القيود الضابطة (الالتزام بالحلال والحرام)، كما أن متطلبات العبادة من القيام بأفعال ملازمة للتعبد (الفرائض والنوافل)، فيها بذل جهد وكلفة معاكسة لميل الجسد الى الراحة والسكون.

لذلك فإن تمكن العقل من إقناع الجوارح (أجهزة الجسم وأعضائه) بتنفيذ كل تلك الإلتزامات بلا تقصير ولا تذمر، فهو إثبات على تسيّدِ العقل للجسد، وفشله في إقناعها يعني قصورا في قدراته ونقصا من سلطانه على الجوارح.

وعليه، فإننا نستنتج أن عقل المؤمن متقدم على عقل غير المؤمن، وأعلى مرتبة في ميزان القدرات والإمكانيات. وإذا ما تمكن هذا العقل من جعل أعمال التقوى أحبّ للنفس من أفعال الاستجابة لمتطلبات الجسد المعتادة، انتقل العقل بصاحبه الى المرتبة الأعلى وهي الإحسان.

إن أخطر ما لدى الإنسان من أدوات هي ثلاث، هي الفؤاد والفم والفرج، إن استعملت بحكمة نفعت، وبغير ذلك أضرت.

جاء ذكر الفؤاد في القرآن دالا على إدراك الأشياء والاقتناع بالأفكار بعيداً عن المشاعر والأحاسيس، فيما جاء القلب مرتبطا بها.

لذلك فالأغلب أن الفؤاد مرتبط بالفطرة الأساسية المودعة في النفس، أي الدافع الفطري الإيماني، وهي لا تفسد وإنما قد تضمحل بتغلب الغرائز الأخرى عليها، بدليل قوله تعالى: “وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ” [القصص:10]، فقد فرغ فؤادها عندما غلبت عاطفة الأمومة، فجاء الربط على القلب وليس على الفؤاد أي كبحه ليتحرر الفؤاد فيعود لها الإيمان، وكذلك في قوله تعالى في وصف الكافرين يوم القيامة: “وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ” [ابراهيم:43]، أي فارغة.

فالفؤاد العامر بالإيمان دليل معياري على مدى صلاح فعل الجوارح، فهو كالهواء الذي يملأ إطارات السيارة، هو بذاته لا يحرك السيارة لكن إن أفرغ الإطار منه تفسد وظيفته.

الفم خطير بما يدخله وما يخرج منه، يطيب إن كان مطعمه حلال فينفع صاحبه، لكنه أن كان من حرام فتصبح معيشته في الدنيا ضنكاً، كما يورده دار البوار في الآخرة.

أما ما يخرج منه من قول طيب نافع، هادٍ الى الحق، داعٍ الى الخير ، فيجلب لصاحبه الحمد في الدنيا ويورثه الفردوس في الآخرة، وإن خرج منه الفحش من القول فآذى به الناس أو زين لهم المنكر، فعاقبته وخيمة وسعيه خائب.

الفرْجُ خلقه الله لهدف جليل هو التناسل والتكاثر، وما جعل الشهوة إلا لتحفيز معاشرة الزوجين، وليوقع المودة والرحمة بينهما، فإن استعمله الإنسان لذاك، يهبه الله الذرية التي تقر بها عينه، ويسعده بأسرة متحابة.

وإن استعمله ما وراء ذلك فقد تجاوز الصلاحية، فأفسد حياته الأسرية وأغضب ربه.

هذه هي ضوابط الإستقامة، جميعها في نطاق الممكن المستطاع، فمن حازها ضَمِن السعادة في الدارين.

أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.