احترام صاحبة الجلالة
كلام بفلوس…بقلم: تاج السر محمد حامد
احترام صاحبة الجلالة
الصحافة كانت ولا تزال هى منبر لمن لا منبر له فى حق الديمقراطية التى لا تحتاج إلى نصاب قانونى لينطلق المرء بفكرة وثورتة الأدبية سواء أكانت موجهة أو غير موجهة .. والصحافة هى البرلمان الحقيقى للشعوب .. لذا فالقارئ أثمن ما يحرص الكاتب عليه .. والكاتب الذى يحترم قلمه وإفرازات هذا القلم ويحترم فكر القارئ سيفرض لا محالة على القارئ احترامه .. وهذا بالضبط فى تصورى الكاتب الناجح الذى يستحق أن يكون كاتبا .
فياصديقى .. لقد ألزمت نفسى أن أتناول ما أمكن القضايا المعبرة والصورة الدقيقة وأن أطرح كل ما يهم مشكلات وقضايا المغتربين ومن ثم القضايا الإجتماعية .. وأن يكون عمود ( كلام بفلوس) الكلمة الطيبة للقارئ الحصيف .
وكان همى الرئيسى أن أمارس دائما الصدق الذى لا عيب فيه والدقة والأمانة .. واستمر اهتمامى بقضايا المغتربين والقضايا الاجتماعية .. وكتبت عن طيب خاطر بقلم ابيض كقارب تغرية مطاردة التيار .. ومارست الجنون الحر الذى لم يفسده مستشفى للأمراض العقلية .. ورسمت أشرعة ومراكب من ورق .
كنت نورسا يتدرب على فن الذهاب إليكم وعشت كامل الجنون معكم فى شمس وكلام بفلوس كفقاعات فى الهواء وارقص على أطراف النخيل بلذة همجية .. كنت اكتب لكم عن كل شئ بهدوء مثل إعصار يعبث بسنابل حقل .. وكنت اهدم مدنا واعيد بناءها من أجلكم بيتا بيتا ومنعطفا منعطفا .. كنت اكتب بحرية فى جزيرة تحشد فيها التناقضات ولا تتجانس العناصر .. وكتبت لكم رغم مشغولياتى .
فكنت اكتب لكم بلغة تتسربل فيها الخيوط الملونة .. اسرد هذيانى البهيج مرتديا ذلك الخف المطاطى الذى اعارتنى الصحف إياه ليبيحوا لى حرية الوثب بين لحظة وأخرى كحصاة مقذوفة من البعد بيد طفل تتصاعد وتطير بلا وجهة ولا أجنحة .. وطحنت وعجنت وخبزت وكان لكل ذلك لذة لا توصف .
فقد كنت اعمل كل شئ بشهوة لا قدمه لكم على طبق مرتاح .. لقد حاولت أن أسهم بقطرات متواضعة فى محيط الصحافة التى جعلت من الكلمة عصفورا يحلق فى سماء الوطن ..وكنت اتقيا ظل الصحيفة عندما يشتد هجير شمس الحياة هربا من مهنة التغلب على الوجع إلى مهنة البحث عنه .. ووجدت خلال هذا الهروب ان مساحة (كلام بفلوس) برج مراقبة ومنصة قضاء وصندوق بريد تضع فيه رسائل الحب والخير والمعرفة لقرائك .
وبرج المراقبة ومنصة القضاء وبريد القراء عناصر ووحدات ترتبط إرتباطا وثيقا بالوقت الذى أصبحت لا أملك الكثير منه فالوقت للكاتب هو الساق والارجل .. ومن الصعب جدا أن يرقص الإنسان بدون سيقان .. وليس من العدل أن احتل قصرا منحنى إياه القائمون على الصحافة والتجول فيه بأثواب مرقعة .. دامت الصحافة السلطة الرابعة لكل سودانى عنقود ماس ونسمة هواء وسنابل امل وبذور خصبة تملأ بيادر حياتنا بالحب والفكر والكلمة البناءة الحسنة بعيدا عن تلك الأقلام المأجورة والعياذ بالله .. وكفى .
![]()