آخر الأخبار
The news is by your side.

نهاية الحرب في السودان: قراءة في المسار السياسي والميداني

نهاية الحرب في السودان: قراءة في المسار السياسي والميداني

بقلم: نهلة ابونورة

منذ اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، ظل السودان غارقًا في صراع دموي خلّف مئات الآلاف من القتلى والجرحى، وشرّد الملايين داخليًا وخارجيًا. ورغم تعقيدات الأزمة، فإن المعطيات الحالية تشير إلى ملامح نهاية محتملة للصراع، وإن كانت لا تعد بنهاية “سلمية” بالضرورة. فالمشهد السياسي الممزق، وتآكل الدعم الشعبي للمليشيا، وتزايد عزلة قوات الدعم السريع، كلها عوامل تدفع باتجاه تحوّل كبير في مسار الحرب.

1. تراجع قوة الدعم السريع: الانهيار البطيء

منذ مطلع عام 2025، بدأت قوات الدعم السريع تفقد تماسكها في عدة جبهات رئيسية، خاصة في كردفان والنيل الأبيض. الانشقاقات المتزايدة، وتراجع الدعم القبلي، وضربات الجيش السوداني النوعية في دارفور ونيالا، أعادت رسم ميزان القوى الميداني. كما أن الحاضنة الاجتماعية التي اعتمدت عليها قوات الدعم السريع سابقًا باتت متململة بسبب الفظائع التي ارتكبتها ضد المدنيين، خاصة في غرب دارفور.

بجانب ذلك، بدأت بعض العناصر القبلية والقيادات المحلية التي دعمت حميدتي سابقًا في سحب دعمها تدريجيًا، إدراكًا منها بأن المليشيا لم تعد قادرة على الصمود أمام آلة الدولة العسكرية، وأن الانخراط في تسوية سياسية قد يكون الخيار الأكثر واقعية.

2. الحكومة الموقتة (الشرعية المزدوجة والمأزق المدني)

الحكومة الموقتة في بورتسودان، بقيادة مجلس السيادة برئاسة الفريق عبد الفتاح البرهان، لا تزال تعاني من أزمة شرعية سياسية ومدنية. فهي تُقدَّم في الإعلام الرسمي كواجهة الدولة، لكنها تعاني من ضعف الثقة الشعبية، واستمرار العزلة السياسية عن قوى الثورة الفاعلة.

ومع ذلك، تبدو هذه الحكومة اليوم الطرف الأقرب إلى “الدولة” بالمعنى المؤسساتي. فالقوات المسلحة استعادت زمام المبادرة ميدانيًا، والدبلوماسية السودانية بدأت تتنفس من جديد عبر تحالفات إقليمية (مثل الدعم المصري والخليجي)، في مقابل شبه عزلة يعيشها الدعم السريع.

السيناريو المرجّح هو أن تستمر هذه الحكومة كمظلّة سياسية انتقالية إلى حين تسوية نهائية، تشارك فيها أطراف مدنية جديدة، بعد كنس آثار الحرب.

3. القوى المدنية مابين التشرذم وإمكانية العودة

رغم أن القوى المدنية وعلى رأسها قوى الحرية والتغيير غائبة عن المشهد العسكري، فإنها لا تزال تطمح في استمالة الشارع السوداني و التغيير الديمقراطي.

السؤال المحوري هو: هل ستدخل هذه القوى مجددًا عبر “تسوية منقوصة” تشرعن الوضع العسكري، أم ستستطيع فرض شروطها في مرحلة ما بعد الحرب؟

على الأرجح، لن تكون نهاية الحرب فرصة لثورة جديدة، بل ستكون بداية مرحلة “مهادنة” سياسية يفرضها الإرهاق العام، وفقدان الثقة، وغياب القيادة الموحدة. ومع ذلك فإن القوى المدنية النزيهة ( أن وجدت) مرشحة للعب دور مؤثر لاحقًا . خاصة في إعادة صياغة المرحلة الانتقالية.
. السيناريوهات المحتملة لنهاية الحرب

أ. الحسم العسكري البطيء

وهو السيناريو الأرجح حاليًا، حيث يواصل الجيش السوداني قضم مواقع الدعم السريع تدريجيًا، مع تعزيز نفوذه في العاصمة والأقاليم، إلى أن تنهار المقاومة بشكل غير معلن. هذا المسار سيتطلب شهورًا، وربما عامًا آخر، لكنه يبدو الخيار الوحيد المطروح فعليًا في غياب قوة ثالثة قادرة على فرض وقف فوري لإطلاق النار.

ب. تسوية سياسية (مفروضة)

إذا تدخلت أطراف دولية كبرى (كالولايات المتحدة، أو الاتحاد الإفريقي، أو محور السعودية-الإمارات)، فقد يُفرض اتفاق هش يُبقي على قدر من تقاسم السلطة، خاصة إن لم يُرد البرهان الدخول في صدامات قبلية موسعة في دارفور. هذا السيناريو يظل ضعيفًا ما لم يحدث تغيير مفاجئ في الموقف الدولي.

ج. تفكك الدعم السريع من الداخل

وهو سيناريو ممكن جدًا، إذ تظهر مؤشرات على صراع داخل قيادة الدعم السريع، خاصة بين قيادات الميدان والقيادة السياسية المتمركزة في الخارج. إذا تصاعدت هذه الانقسامات، فقد يؤدي ذلك إلى شلل كامل في بنية المليشيا، مما يمهّد الطريق لانهيار داخلي دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية حاسمة

ما بعد الحرب…
وطن ممزق وبداية جديدة؟

ستضع الحرب أوزارها، عاجلاً أو آجلاً، لكن نهاية القتال لا تعني بداية سلام. فالسودان ما بعد الحرب سيكون دولة منهكة، ببنية اقتصادية مدمرة، ونسيج اجتماعي ممزق، وثقة منعدمة بين العسكريين والمدنيين. لذا فإن التحدي الأكبر لن يكون في (وقف إطلاق النار)بل في إعادة بناء الدولة على أسس جديدة، تتجاوز تجربة الانقلابات والمليشيات إلى وطن ديمقراطي آمن ومستقر.

ومع أن هذا الطريق طويل، إلا أن المؤشرات الحالية – رغم مرارتها – تفتح الباب أمام تسوية ممكنة، عنوانها “الواقعية السياسية”، لا الأحلام الثورية أو الشعارات العسكرية.

Loading

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.