موقف عمومي … بقلم: د. هاشم غرايبه
موقف عمومي … بقلم: د. هاشم غرايبه
العلاقات بين الناس مرآة لصلاح المجتمع، فالمجتمع الصالح هو المتواد المتراحم، فلا يبيت فيه محروم، ولا يمسي امرؤ وهو مظلوم، هذه الصورة المثالية تطمح لتحقيقها كل المجتمعات، لكن لم يصلها أي مجتمع الى اليوم لأسباب كائنة في الطبيعة البشرية ذاتها.
رغم أن الإنسان اكتشف أنه مدني بطبعه، فلا يمكنه العيش منفردا، بل لا بد من التعاون مع آخرين تتكامل معهم احتياجاته، كما وجد أنه مختلف عن الحيوانات، فالذكر فيها لا يتآلف مع أنثى إلا للتزاوج والتكاثر، فإذا انقضت هذه الحالة عاد كل منهما الى فرديته كأن لم يتعارفا، بينما الإنسان يرتبط الذكر بأنثاه برباط قوي هو ليس كالصداقة ولا هو مجرد تبادل منفعة، لم يكن يفهمه قبل أن ينزل الله القرآن، ويُعلّم البشر أن تلك العلاقة يوقعها بينهما بعد الزواج، وبالتجريب عرف الإنسان أنها أرقى علاقات التعارف البشري، لأنها عاطفة خالصة، هي مزيج من المودة والرحمة.
لكن لكل شيء آفة تفتك به، وآفة المودة والرحمة سوء الظن، المبني على الشك في نوايا الآخر.
إن ما يحكم العلاقة بين أي فرد وآخر، سواء داخل البيت الأسري أو خارجه، هو فهم نظرة الآخر تجاهه أو موقفه إزاءه عند التعامل البيني، وتنشأ آفة سوء الظن بالآخر هذه عند الأشخاص الذين يكون منسوب الأنانية عندهم عالياً.
فالأناني يحب أن يستأثر بالخير لنفسه، ويعتقد أنه يستحق ذلك، وليس ظالما للآخر او متعدٍّ على حدوده، إلا أنه لا يظن ذلك في الآخرين، ولا يتقبل فكرة أنهم يظنون في أنفسهم الخير كما هو يفعل، بل يميل على الأغلب الى الشك في نواياهم، ولا يطمئن لما يبدونه له من ود، بل قد يصل به سوء الظن الى الاعتقاد أن الإيثار الذي يبدونه، أو النفع الذي يخصونه به، هو مجرد فخ لاستدراجه ليتنازل لهم عن شيء من حقه، أو هو للتمويه على شر يبطنونه.
هكذا يقلب سوء الظن بنوايا الآخرين، الخير شراً، ومنشؤه إما أن يكون عن الشك المرَضي، وهو مرض نفسي مستحكم يصبغ الطبع العام للشخص، أو شك عارض قد يزول بالتوضيح، وهو مجرد إجراء استباقي يقدم عليه الشخص، ويمنطقه بالهجوم الدفاعي، وهو ليس طبعا أصيلا في كل البشر، إنما هو مكتسب بفعل الأنانية، لكنه متباين قوة وتأثيرا، يعظم في النفوس التي تهوى الإنقياد الى الملذات الغرائزية، ويقل بالتقوى والاحتكام الى العقل.
سوء الظن المرضي لا سبيل لإصلاحه، وهو من أكثر الطباع هدما للعلاقات الودية لذلك نجد في مأثوراتنا الشعبية الوصية التي تقول: لا تزوج ابنتك لأحد اثنين الشكاك والبخيل، لأنهما مرضان يهدمان الحياة الزوجية. فالشك يؤدي الى الفهم الخاطيء، ويقود الى التفسير الذي يميل الى الإدانة والتجريم، فيكون الحكم ظالما، والقرار المتخذ وفقه متطرفا، مما يؤدي الى رد فعل معاكس من الطرف المقابل، فتحدث المشكلة، وبتداعياتها المتفاقمة تفسد العلاقات ويحل الخصام مكان الود والتعاون.
ينطبق هذا التسلسل للأحداث على معظم حالات الخلافات سواء كان منها بين الزوجين أو بين الصديقين، ولعظم أثرها في إفساد العلاقات الزوجية والمجتمعية، فقد أولاها التشريع الإلهي أهمية كبرى.
ففي آية واحدة اختصر القرآن الكريم ثلاثة أفعال هي السبب في كل ما يؤدي الى سوء الفهم: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا” [الحجرات:12].
وتولى معلمنا الأول صلى الله عليه وسلم تبيانها وتفصيلها في الحديث الصحيح الذي رواه أبو هريره: “إيَّاكُم والظَّنَّ، فإنَّ الظَّنَّ أَكذَبُ الحديثِ، ولا تحسَّسوا، ولا تجسَّسوا، ولا تَناجَشوا ولا تحاسَدوا ولا تباغَضوا، ولا تدابَروا، وَكونوا عِبادَ اللَّهِ إخوانًا”.
![]()