آخر الأخبار
The news is by your side.

قدسية العلم … بقلم: د. هاشم غرايبه

قدسية العلم … بقلم: د. هاشم غرايبه

اتسم العصر الحديث بالمبالغة في تقديس العلم، وربما كان وراء ذلك من ينكرون وجود الله، لجعله آلهة بديلة، لأنه نسب الى العقل البشري، فهل حقا أن العقل أوجد العلم!؟.

أبسط تعريف للعلم أنه حقيقة عليها دليل، لذا فكل ماهو كائن واقع منضبط بنظام هو علم، فالعقل البشري مجرد أداة لاستيعاب المعرفة، والتي هي حقائق موجودة أصلا وليست من ابتكار البشر، وعندما يثبت صحة هذه الفهم للمعرفة، يسمى علما.

هكذا فالعقل لم يوجد العلم بل وجده، وبعد أن اكتشف هذا (الموجود)، بحث فيه، فوجد أن كل الموجودات محكومة بأدوار محددة، وعندما فهم القوانين الناظمة لكل مادة، أمكنه الاستفادة منها في صنع أشياء لم تكن مصنوعة في الطبيعة.

هكذا نجد الزيف بيّناً في القول أن العلم منتج العقل البشري، فالعلم مرتكز على المعرفة، والتي هي موجودة أصلا بشكل مواصفات ثابتة لكل مادة، وعلاقات وقوانين صارمة تحكمها، ولو لم تكن كل تلك العلاقات ثابتة في حالة السكون (مثل المواصفات الكيميائية والفيزيائية للمواد)، أو منتظمة لتؤدي وظائف محددة (مواصفات الكائنات الحية)، لما أمكن اكتشاف تلك القوانين التي ينسبها المضللون الى علماء، لذلك من التضليل القول بأن نيوتن مثلا هو من وضع قوانين الارتداد، أو أن أرخميدس هو من وضع قانون الأجسام الطافية ..الخ من كل القوانين الطبيعية التي تنسب الى أشخاص، فهم فقط اكتشفوها وشرحوها.

نتوصل الى أن العلم ليس منتجا بشريا، لأنه مرتكز على المعرفة الأساسية التي هي موجودة أصلا، لأنها مرتبطة بالموجودات، لذا فالعلم مصدره من أوجد الموجودات.

هكذا تسقط الهالة التقديسية للعلم البشري التي صنعها الملحدون، فالعلم كله مصدره الله، سواء علم به البشر بشكل مباشر عبر الرسالات السماوية، أو جعله كعلاقات منطقية ثابتة مترابطة، وخلق للإنسان عقلا ليفهمها بعد أن يتطور ويصبح قادرا على البحث العلمي، ليستخدمها في اختراع أدوات وآلات وأجهزة نافعة.

لو تأملنا في أي منتج اخترعه الإنسان، سنجد أنه لم يكن خلقا بل صنعا، فكل المواد هي موجودة أصلا، وكل مواصفاتها بقيت كما هي، وكل ما فعله أنه استعمل القوانين الطبيعية مثل المغناطيسية والكهربائية والحرارة والتوصيل ..الخ، لكنه لم يمكنه تعديل أية مواصفة أو قانون، لذا فكل ابتكاراته هي تحويلية.

هنا ينبثق سؤال للعقل المحايد (أي المنزه عن الهوى والحكم المسبق): لماذا خلق الله الأمور هكذا، فلم يهيء كل احتياجات الإنسان مسبقا كالكائنات الحية الأخرى، فالنباتات هيأ لها احتياجاتها في التربة، لأنه خلقها ليس لها القدرة على السعي في طلبها، وأمّن لها غذاءها في الهواء المتجدد، والماء من المطر الذي ينزل عليها موسميا كل عام، كما أمن لكل كائن حيواني غذاءه ومأواه في البيئة المحيطة به، والفطرة تدله عليه فيجده مجهزا وليس عليه تصنيعه.

الكائن الوحيد الذي يملك التعديل والتطوير هو الإنسان، والوسيلة لذلك هي العقل الذي يمكّن الإنسان من اكتساب العلم اللازم لذلك، وشاء الخالق إفراده بتلك الميزة، لأنه أراده أن يعرفه، ويتعرف على صفاته من أفعاله الباهرة في كل مخلوقاته.

هكذا فالعلم هو أول وسيلة للإيمان، بعكس ما يشيع الملحدون بأنه نقيض للإيمان، وسأورد دليلا واحدا من ملايين الأدلة:

فعندما اكتشف “مندليف” الجدول الدوري الذي تنتظم فيه كل العناصر، أدرج كل عنصر في الخانة المخصصة له بناء على الذرية والوزن النوعي ومدارات الإليكترونات ..الخ، وبقيت خانات فارغة، فاستنتج أن هنالك عناصر موجودة في الطبيعة لم تكتشف بعد، وفعلا بعد سنوات اكتشف بعضها.

كان استنتاجه منطقيا محايدا، وهو أن كل شيء موجود بمقدار، وبما أن كل عنصر ينفرد بخواص محددة، لذا فهي لم توجد صدفة، وإلا لما انتظمت في هذا الجدول بتسلسل دقيق، بل مخلوقة أصلا لدور لها، وسيُكتشف عاجلا أو آجلا الوظيفة والنفع لكل عنصر.

نستخلص مما سبق أن العلم أوجده الخالق لهدفين: وسيلة لمعرفته، وتكريما للعقل باستثماره لنفع البشر.

لهذا جعل الله العلم على ثلاث درجات، أعلاها العلم بالله (الإيمان)، يليها العلم بأوامر الله (الدين)، وأدناها العلم بأفعال الله (العلوم التطبيقية)، ومن المنطقي أن يكون الارتقاء من الأدنى الى الأعلى.

Loading

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.