سيف الدين حسن… المخرج الذي جعل من الكاميرا مرآة لروح السودان
سيف الدين حسن… المخرج الذي جعل من الكاميرا مرآة لروح السودان
بقلم: حاتم كبلّو
سيف الدين حسن، مخرج وثائقي بارز، نسج عبر عدسته حكاية وطن كامل؛ فكان أشبه بشاعر لا يكتب بالكلمات بل بالصور، يصوغ تفاصيل الواقع السوداني بعمق فني وحساسية إنسانية رفيعة. تتنقل أعماله كالنهر بين ضفتي الجمال والمضمون؛ فيمنح المتلقي فسحة يتأمل فيها القيمة الجمالية التي تخطف الأبصار، إلى جانب القيمة الموضوعية التي تلامس الفكر والوجدان.
لم يكن مجرد راصد عابر للحياة، بل غواصًا في أعماقها. حين قدّم عمله الوثائقي عن قبيلة الشلك في “فشودة” بجنوب السودان، أخرج من بين تضاريس المكان وتقاليد الإنسان ملحمة بصرية حصد بها جائزة أفضل إخراج في مهرجان الإذاعات والتلفزيونات العربية بتونس.
ومن محطاته المضيئة فيلم صائد التماسيح الذي توّج هو الآخر بجائزة أفضل إخراج، وفيلم أرض الحضارات الذي خطف المركز الثالث لأفضل إخراج في مهرجان القاهرة السينمائي. غير أنّ بصمته الكبرى تجسدت في سلسلة وثائقية ضخمة بعنوان “أرض السمر”؛ التي وصفها كثيرون بأنها علامة فارقة في السينما الوثائقية السودانية، إذ أعادت تقديم السودان بفسيفسائه الجغرافي والثقافي على نحو لم يشهد له التاريخ مثيلًا.
رصيد سيف الدين حسن لا يُحصى من الجوائز، فقد حصد أكثر من ثمانية عشر جائزة عربية ودولية، بينها أربع جوائز رفيعة كأفضل إخراج لأفلام مثل: الشلك، صائد التماسيح، درب الأربعين، مراكب الشمس، النوبة وغيرها. كما نال فيلمه “سحر النيل” جائزة خاصة في البحرين ضمن مهرجان الخليج للإنتاج الإعلامي، ليؤكد مرة أخرى أنّ النيل لا يسقي الأرض وحدها بل يروي الإبداع أيضًا.
وفي خضم الحرب وضجيج البنادق، أبت نفسه إلا أن تلد ابنة من نور لا من دم، فأسس قناة الزرقاء؛ ابنته الفتية التي لم ينجِبها من صلبه، لكنه أنجبها من رحم المعاناة. بدأها من شاشة يوتيوب صغيرة وموثوقة ليشد بها مأزره، بينما رفاقه يقاتلون في الخنادق، كان هو يقاتل في ميدان الإعلام. حمل رسالتها كما يحمل الجندي سلاحه، حتى جعلها في زمن وجيز قناة تلفزيونية محترمة، تقف صرحًا صامدًا عاليًا. ثم ودّعها بكل شموخ، كما يودّع أب بار ابنته عروسًا؛ تزف إلى مستقبلها، وهو يذرف من عينه اليمنى دمعة فرح، ومن اليسرى دمعة حزن.
كما أسس مؤسسة “نبتة” للإنتاج الإبداعي الثقافي والإعلامي، لتغدو حاضنة للطاقات الشابة، ورافعة لإنتاج وثائقيات حصدت بدورها جوائز عالمية، فأثبت أنّ الإبداع حين يتكئ على المؤسسات يثمر أجيالًا جديدة من المبدعين.
ولأن درب الإبداع محفوف بالتحديات، فقد عرف سيف الدين حسن مرارة السجون حين اعتُقل في شارع القصر بالخرطوم أثناء عمله، وهو ما أثار موجة تعاطف واسعة وتنديدًا إعلاميًا، فغدا شاهدًا حيًا على صعوبة أن تحمل الكاميرا في وطن يهاب الحقيقة. ومع ذلك ظل وفيًا لعشقه للوثائقيات، حتى قال في لحظة صفاء: “أوقفت للوثائقي عمري”، عبارة تلخص فلسفته بأن الكاميرا ليست مجرد آلة، بل قدرٌ اختاره ليكون رفيق دربه.
وفي سياقات عدة، كان يُستشهد باسمه في المجالس الفنية، حتى قال أحد مديري البرامج في مركز التدريب السوري ساخرًا بإعجاب: “أنتم عندكم سيف الدين حسن، وتسألوننا عن الأفلام الوثائقية؟ السودان أصبح حجة في صناعة الوثائقي”.
سيف الدين حسن ليس مجرد مخرج؛ إنه صانع بصري أعاد للسودان صورته المشرقة، فجمع بين الجمالية والصدق، وحوّل الواقع إلى لوحات من الضوء والظل. ومن خلال “أرض السمر” وأعماله الأخرى، كتب فصلًا من فصول الذاكرة الجمعية، ليصبح رمزًا للإبداع السوداني الرفيع، واسمًا يليق بأن يُرفع في المحافل العربية والدولية.
![]()