آخر الأخبار
The news is by your side.

رواية فساد الأمكنة ! الأماكن لا تفسد من تلقاء ذاتها

  رواية فساد الأمكنة ! الأماكن لا تفسد من تلقاء ذاتها

بقلم: د. عاطف معتمد

يمكنك أن تقرأ هذه الرواية مرة كل عام، أو مرة كل شهر، أو كل عقد من الزمن، ولعل قراءة واحدة تبقى في ذاكرتك تستحضرها دوما، ولذلك أسباب عدة:

 فالعنوان غريب لا يتوقعه العارفون بالبيئة، فالأماكن لا تفسد من تلقاء ذاتها. وحقيقة الأمر أن الطبيعة لم تخلق مكانا فاسدا، ربما تقابلنا بضع برك ومستنقعات آسنة، أو معاطن في الغابات والأحراش تؤدي دورها المتكامل في النظام الإيكولوجي، لكن الأماكن على عمومها لا تفسد إلا بفعل فاعل، وقد اعطى صبري موسى لروايته عنوانا غامضا غائبا بدلا من أن يسميها بوضوح مباشر “إفساد الأمكنة” حتى ينجو من أن يكون للرواية عنوان التقرير الصحفي.

  الأمكنة التي تتناولها هذه الرواية هي مساحة ضخمة من أرض مصر، تشغل الصحراء الشرقية وسميت الشرقية لأنها إلى الشرق من وادي النيل، وكانت تسمى في العصور الأقرب “صحراء العرب” لأن ساكنيها من القبائل العربية، وكانت تسمى في عهد قدماء المصريين “دِشِرت” أي الأرض الحمراء، تمييزا لها عن أرض الطين “السوداء” في وادي النيل ودلتاه. هذه الصحراء تمتد من حدودنا مع السودان في الجنوب إلى شرق الدلتا والقاهرة في الشمال ومن البحر الأحمر إلى وادي النيل.

  وسبب “إفساد” الأمكنة هنا هو سياسي اقتصادي أو زواج كل منهما معا، حيث اشترك النظام الملكي مع رجال الأعمال الأجانب ووكلائهم من علية القوم المصريين في استهلاك ثروات معدنية من الصخور النارية التي في عمق هذه الصحراء، سواء كان الذهب بشكل مباشر، أو نوع صخري شهير (السربنتين) يستخرج منه حجر التلك الذي يدخل في بودرة التلك الشهيرة وبقية مستحضرات التجميل وبعض الأدوية.

 لو أردت أن تحصل على جرعة من كراهية النظام الملكي في مصر فلابد أن تقرأ هذه الرواية. لم يقل المؤلف إنه يتحدث عن الملك فاروق بالاسم، لكن كل صفاته التي تداولتها الصحف حاضرة هنا، وأهمها ولعه بالنساء. لا يشبع الملك إلا إذا ضاجع فتاة عذراء كل ليلة. يأتي الصحراء خصيصا إلى هذه الصحراء في رحلة ملكية أسطورية، ويختار أجمل فتاة ابنة بطل الرواية، رجل التعدين الأجنبي، يطلب هذه الفتاة التي يشتهيها الجميع لتكون رفيقته خالصة له في رحلة في الصحراء في جبل إلبا (علبة)، وهناك في هذا الجبل المقدس يدنس جسد الفتاة ويفسد المكان، ويلتهم الفاكهة الفريدة حتى يرتوي، في ليلة أسطورية لا تنسى من ليال الملك الباذخة، تاركا الفتاة خلفه محطمة لا تصلح لأحد.

  الملك أيضا لا يشبع إلا بعد أن يطلب التسلية والتمثيل من أحد أبناء الساحل في هذه الصحراء، فيطلب منه أن يضاجع واحدة من جنيات البحر في مشهد تمثيل حقيقي أمام الحضور. يفشل الفتى في المضاجعة العلنية مع السمكة الضخمة في حضور الملك والحاشية، يقع الجميع في ضحك ساخر مع الملك، ليموت الشاب ذلا ومهانة.

 الاستخراج التعديني من الذهب والموارد النادرة تخرج من هذه الصحراء للأجانب والباشوات في القاهرة، بدلا من أن يحصل عليها أبناء تلك الصحراء. صبي واحد من أبناء البشارية يعرف السر المقدس ويحاول أن يعيد سبيكة الذهب التي تم استخراجها إلى روح الأسلاف، هناك في جبلة إلبا (علبة) مستحضرا أرواح الأجداد الأولى التي عاشت هنا وقدسها أهل الصحراء قبل وصول الأديان السماوية الأحدث عمرا.

  الدرهيب هو اسم الصحراء التي تجري فيها الأحداث، والدرهيب هو مسرح كل الوقائع. والدرهيب اسم جبل، واسم منطقة في جنوب الصحراء، واسم نطاق وتخوم حدودية بين مصر والسودان، تكاد كل جنوب الصحراء أن تكون درهيبا. لا أحد يستطيع أن يجيبك اليوم عن المعنى الأصلي في لغة البشارية عن معنى كلمة “درهيب” وستبقى في ذاكرتك بعد إتمام قراءة الرواية بمعنى “الرهبة” والـ”رهيب”.

صدرت الرواية في عام 1973.

Loading

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.