آخر الأخبار
The news is by your side.

تأملات قرآنية:اكمل الدروس المستفادة من سورة يوسف

تأملات قرآنية …. بقلم: د. هاشم غرايبه

اكمل الدروس المستفادة من سورة يوسف.

مما يستوجب التأمل، العرض الباهر الدقة للمشاعر البشرية والسلوكات التي تنتج عند الانحراف عن الفطرة التي خلق الإنسان عليها.

هنالك جملة من الأحداث أوردها تعالى في القصة لجلاء هذه الأمور، فيما تجاوز عن تفاصيل كثيرة غيرها، منها:

– شعور الإخوة بالحسد نحو أخيهم الأصغر لإحساسهم بتفضيل والدهم إياه عليهم.

– رغم علاقة المحبة الأخوية الفطرية، فقد تآمروا عليه ليخلو لهم وجه أبيهم.

– اعتقاد الأخوة أن توبتهم من بعد ذلك سوف تغفر خطيئتهم وسيعودون صالحين.

– انقياد امرأة العزيز لنوازع الشهوة الجنسية، غير آبهة بما يؤثره ذلك على علاقتها الزوجية ولا على موقعها الاجتماعي.

– رغم تحصين النفوس الذي ينتجه الإيمان، إلا أن النفس المؤمنة قد تضعف أحيانا أمام نوازع الرغبة الجنسية.

– الموقف المستغرب للزوج حين تبينت له خطيئة زوجته وبراءة يوسف، فقد تسامح معها في حين لجأ الى الحل السلبي بإبعاد يوسف عن ناظريها بسجنه ظلما.

– لم يصحح الأخوة سلوكهم كما ادعوا، فقد أساءوا ليوسف مرة أخرى بتشويه سيرته باتهامه بالسرقة زورا: “قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ”.

– عاطفة الأبوة أقوى، فرغم ما فعلوه بيوسف، فقد ظل الأب يساير أبناءه، ويلبي طلباتهم ويستغفر لهم ذنوبهم الكثيرة، وظل قلقا عليهم ” وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ”.

كل موقف يحتاج الى البحث المعمق لما يحتويه من العواطف الموجهة للسلوك البشري، وبدافع الإختصار لا يمكن في هذا الحيز الضيق عرضها جميعا، فسأعرض شيئا من العبر والدروس مجملة، وهي:

1 – الحسد دافع قوي لإيقاع الشر، ولذلك فقد أنزل تعالى إحدى المعوذتين بحقه، وقد فهم كثيرون قوله تعالى: ” وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ”، على أن الشر يتحقق من عين الحاسد، لكنه تعالى في سورة يوسف بيّن خطورته، فهو لم يتوقف عند تمني زوال نعمة محبة أبيهم ليوسف فقط، وإلا لصبروا مع بقاء كراهيتهم مكنونة في قلوبهم، بل تعدى الى التدبير والتآمر الذي كاد يصل الى قتل أخيهم، لولا تدخل العناية الإلهية بتحويل رأيهم الى الاكتفاء بإبعاده.

2 – الرغبة الجنسية خلقها الله أقوى الدوافع الغريزية في الكائنات الحية جميعها، بهدف المحافظة على بقاء الجنس، وجعل ضابطها عندها ارتباطها بمواسم محددة للتزاوج، فيما جعلها متاحة طوال الوقت عند الإنسان، وضوابطها ذاتية، كونه أرقى المخلوقات بما حباه الله بالعقل والهدى، لذلك جعل ممارستها ضمن ثلاثة ضوابط: الفطرة التي تُقبّح اتيان الفاحشة، والعقل الذي يبيّن عواقبها، والدين الذي يحرّم ممارسة الجنس أصلا خارج الحياة الزوجية.

هنا رأينا تطبيق ذلك في انقياد امرأة العزيز للرغبة لضعف العوامل الثلاث، فيما رفضها يوسف لقوة ضبط تلك العوامل، لكن أراد الله أن يبين أن النفس البشرية ومع كل ذلك قد تضعف، فعندما ازدادت الضغوط على يوسف كاد أن يرضخ، وهنا تدخلت العناية الإلهية: “وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ”، فقد كان يوسف يعلم انه من نسل ابراهيم الذين بشرهم الله بالنبوة، وقد حافظ منذ صغره على استحقاقات هذ النعمة ليناله عهد الله، فجاءه برهان ربه في اللحظة الأخيرة لتذكيره بما كاد ينساه، فانتفض فورا وركض هاربا من المعصية الى الباب.

لم يبين الله لنا ماهو هذا البرهان، واختلف فيه المفسرون، لكن السياق اللغوي يبين لنا أنها إشارة لما أعده الله له من مقام كريم بالنبوة، وقد صدقه الله الوعد فعلا.

3 – نفهم من ايراد الله لتفصيلات هذه الحادثة أنه أراد أن يفند ادعاءات بعض متشددي السلفية، بأن الأنبياء معصومون في حياتهم اليومية لأن مواصفاتهم إلهية، فعصمة النبي حددها تعالى بحمايته من أذى الغير: “وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ” [المائدة:67]، وليس بتنزيهه عن الطبائع والدوافع البشرية، فهو بشر أولا وآخرا تجري عليه كل سنن البشر المعروفة، ما يختلف عنهم أن الله هيأه لتحمل مسؤوليات النبوة، فجعل الضوابط لديه أقوى، فالفطرة هي ذاتها لكن مفعولها أكبر ويفوق تأثير نوازع الشهوات والرغبات، والعقل أرجح لتغييب المصلحة الشخصية والهوى، والدين أعمق لأنه باتصاله بالخالق تقواه أعظم.

Loading

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.