الإتحاد الإفريقي: بناء السلام والإستقرار الإقليمي في خضم التحديات العالمية
الإتحاد الإفريقي: بناء السلام والإستقرار الإقليمي في خضم التحديات العالمية
بقلم: سعد محمد عبدالله
يقف العالم اليوم وسط تحولات إجتماعية وسياسية وأمنية فرضت واقعًا دوليًا شديد التعقيد، بينما يُحيي العالم اليوم العالمي للتنوع الثقافي من أجل الحوار والتنمية، الذي يصادف الحادي والعشرين من مايو من كل عام، وقد أضحت القارة الإفريقية تواجه تحديات متزايدة تتعلق بالأمن والإستقرار، وقبول واقع التنوع، والعيش بسلام، وتحقيق التنمية والسيادة الوطنية، ومحاربة الأوبئة التي يتصدر قائمتها فيروس إيبولا؛ وعليه، نطالع التحركات الأخيرة داخل الإتحاد الإفريقي باعتبارها محاولة جادة لإعادة صياغة الدور الإفريقي في إدارة الأزمات الإقليمية والدولية، حيث عقد الإتحاد جلسة حوارية مغلقة جمعت الممثلين الخاصين والممثلين السامين والممثلين الدائمين التابعين لرئيس المفوضية، بمشاركة لجنة الحكماء التابعة للإتحاد الإفريقي، إلى جانب جلسة خاصة مع ممثلي الأمين العام للأمم المتحدة المعنيين بالشأن الإفريقي، تمهيدًا لإنعقاد إجتماعات مهمة حول تعزيز السلام والأمن والإستقرار في إفريقيا بالعاصمة الغابونية ليبرفيل، وتحمل هذه الإجتماعات دلالات سياسية عميقة تؤكد أن القارة الإفريقية بدأت تدرك ضرورة الإنتقال من موقع التأثر بالأحداث الدولية إلى موقع الفعل والتأثير وصناعة القرار، خاصة في ظل تنامي الصراعات الجيوسياسية، وتنافس العالم حول الموارد والممرات الإستراتيجية، وتوسع الحروب في كثير من البلدان، وهو ما يتطلب بناء رؤية إفريقية موحدة تعزز مفهوم الأمن الجماعي، وتمنح القارة القدرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية باستخدام وسائل دبلوماسية وسياسية أكثر نجاعة؛ كما أن إنعقاد هذه اللقاءات التفاكرية في هذا التوقيت يعكس إدراكًا متصاعدًا بأن إستمرار النزاعات المسلحة والإنقسامات الداخلية والحلول الضيقة يهدد مستقبل التنمية والإستقرار في إفريقيا بأكملها، ويجعل من الضروري البحث عن سُبل تطوير أدوات العمل المشترك وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الإفريقية المختلفة لحماية المصالح العليا لشعوب القارة وتحقيق تطلعاتها نحو السلام والإستقرار والإزدهار.
نقرأ تشديدًا من رئيس مفوضية الإتحاد الإفريقي على أن إفريقيا يجب ألا تبقى مجرد موضوع في هامش العلاقات الدولية، وإنما ينبغي أن تتحول إلى فاعل إستراتيجي يساهم بصورة مباشرة في صياغة الحلول للأزمات القارية والعالمية، وهي رسالة تحمل أبعادًا سياسية تتجاوز حدود الخطاب الدبلوماسي التقليدي؛ لأنها تعكس الرغبة في إستقلالية القرار الإفريقي بعيدًا عن سياسات الهيمنة الخارجية والتدخلات الدولية التي كثيرًا ما ساهمت في تعقيد الأزمات بدلًا من حلها، وقد دعا رئيس المفوضية بقوة إلى تعزيز التخطيط الإستراتيجي، وتكثيف النشاط في إتجاه الدبلوماسية الوقائية، وتعضيد التنسيق بين الحكومات الإفريقية ومجلس السلم والأمن، إضافة إلى تطوير العمل الدبلوماسي الإفريقي في المراكز الدولية المهمة، وهو توجه يعكس مدى إدراك الإتحاد الإفريقي لأهمية الحضور السياسي والدبلوماسي في دوائر صناعة القرار العالمي؛ كما ظل يؤكد إلتزام الإتحاد بمواصلة مساعيه لتنفيذ مبادرة “إسكات البنادق”، رغم العقبات المالية والسياسية التي ينبغي مضاعفة الجهود لإجتيازها، وإذا كانت هذه المبادرة تهدف إلى إنهاء النزاعات المسلحة في العديد من البقاع الملتهبة، وتعزيز ثقافة الحوار السلمي والموضوعي، خاصة أن القارة الإفريقية ما تزال تعاني من بؤر توتر متعددة تمتد من منطقة الساحل الإفريقي إلى القرن الإفريقي ووسط القارة الذي يغلي الآن، فعلى الإتحاد التعامل بواقعية مع قضية عودة السودان إلى مقعده، بغية المساهمة في إيجاد حلول موضوعية لهذا الواقع، الذي يجعل من توحيد الصوت الإفريقي ضرورة إستراتيجية لحماية الأمن القومي الإفريقي، وضمان نسج شبكة أمان صلبة تقود نحو الإستقرار الإقليمي ومواجهة التحولات العالمية الراهنة.
تكتسب قضية السودان أهمية خاصة داخل أجندة الإتحاد الإفريقي، باعتبار أن الأزمة السياسية والأمنية التي تمر بها البلاد أصبحت تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الإقليمي، ليس فقط بحكم الموقع الجغرافي المحوري للسودان، وإنما كذلك بسبب إرتباط الأزمة السودانية بتوازنات إقليمية ودولية معقدة، وقد ظلت جهات من خارج القارة الإفريقية تمارس أدوارًا تسهم في تأجيج الحرب وتعميق الإنقسام الداخلي بما يخدم مصالحها الإستراتيجية المرتبطة بالموارد والممرات الحيوية، في وقت يخوض فيه السودان معركة ضارية تتعلق بمعادلة الحفاظ على وحدة الدولة وسيادة القرار الوطني، ومنع محاولات فرض الوصاية الخارجية ونهب الموارد الوطنية؛ ولذلك، فإن إهتمام السودانيين بالتحركات الإفريقية الأخيرة يأتي من منطلق الأمل في أن تتمكن المؤسسات الإفريقية من بلورة حلول واقعية تستند إلى الحوار السياسي وإحترام سيادة الدول ورفض التدخلات الأجنبية التي لا يمكن أن تجلب السلام أبدًا؛ كما أن السودان، بحكم موقعه الجغرافي وتاريخه السياسي وتطلعات شعبه، يمثل أحد أهم المفاتيح في معادلة تحقيق الإستقرار في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر ومنطقة الساحل؛ وبالتالي، فإن إستقرار السودان ينعكس بصورة مباشرة على إستقرار الإقليم بأكمله، ومن هنا تبرز أهمية الدعوات المتزايدة لعودة السودان إلى الإتحاد الإفريقي ضمن رؤية “حلول إفريقية للمشكلات الإفريقية”، وهذا هو الطريق الوحيد للعبور الآمن نحو إفريقيا جديدة مستقرة ومزدهرة، وقادرة على إستثمار مواردها وإمكاناتها فيما يصلح حال شعوبها، بعيدًا عن الحروب التي أعاقت التنمية لعقود طويلة، وجعلت القارة ساحة مفتوحة للتنافس الدولي والإقليمي على النفوذ والثروات والمصالح الإستراتيجية.
في مسارات متصلة بجهود تعزيز التنمية والإستقرار، شارك السودان بفاعلية في أعمال الدورة الثالثة عشرة للمنتدى الحضري العالمي التي إنطلقت في العاصمة الأذربيجانية باكو بتاريخ الثامن عشر من مايو لعام 2026م، وسط مشاركة رؤساء الدول والحكومات والوزراء وممثلي المنظمات الدولية والإقليمية المعنية بقضايا التنمية الحضرية المستدامة، وقد أكد وزير الخارجية والتعاون الدولي، في تصريحاته عقب الجلسة الإفتتاحية، أهمية مشاركة السودان في هذا الحدث الدولي باعتباره منصة مهمة لتبادل الخبرات والتجارب في مجالات التنمية الحضرية والإسكان وإعادة الإعمار، خاصة في ظل التحديات التي فرضتها الحرب على البنية التحتية والخدمات الأساسية، وقد أوضح أن السودان يولي إهتمامًا متزايدًا بملف إعادة بناء المدن وتطوير شبكات الخدمات وتحسين واقع التخطيط العمراني في مرحلة ما بعد الحرب؛ كما أشار إلى أن المشاركة السودانية تأتي في إطار تعزيز قاعدة التعاون مع المنظمات الدولية وحكومات الدول الشقيقة والصديقة، والإستفادة من التجارب الناجحة في مجالات التنمية المستدامة، وهو ما يعكس توجه الدولة نحو سياسة الربط بين قضايا السلام والتنمية باعتبارهما مسارين متكاملين لا يمكن الفصل بينهما، إذ إن تحقيق الإستقرار السياسي والأمني يظل شرطًا أساسيًا لا مناص منه لإنجاح خطط إعادة الإعمار والتنمية الإقتصادية والإجتماعية، وأن إعادة بناء المدن والمؤسسات تمثل خطوة مهمة نحو إستعادة الثقة وتعزيز الإستقرار الوطني، ولذلك فإن مستقبل إفريقيا والسودان، على وجه الخصوص، يتطلب رؤية إستراتيجية شاملة تجمع بين الأمن والتنمية والتعاون الإقليمي والدولي، بما يضمن بناء واقع جديد أكثر إستقرارًا وعدالة وإزدهارًا لشعوب القارة الإفريقية.
![]()