بمناسبة اليوم العالمي للإذاعة
مذياع جدّي: بقلم رقية طه المغربي
في مكان ما على ظهر هذه البسيطة، ولأكون أكثر دقة أم درمان ودنباوي، بيت جدي العتيق.
الزمان: وقت ما من ثمانينيات القرن الماضي.
ديوان كبير ينضح بالإلفة والود والمحبة، يمتلئ بالأسرة و(العناقريب) العريضة التي تتخللها كراسي حديد تقليدية الصنع، يتوسط طلاء الجدران (اللبني) صورةٌ أبيض وأسود للإمام عبدالرحمن المهدي، موضوعة في إطار زجاجي بسيط وحولها مسبحة خشبية كبيرة.
يطوي جديّ (فروته) الجلدية ما أن يفرغ من صلاة الفجر ، يتمتم بتلاوة آيات من القرآن، يقرأ بعدها (راتب المهدي) ويحمل مسبحته الكهرمان، ثم يدير الراديو ، بصوتٍ عالٍ، تدق الساعة فيه دقاتٍ ست، لينطلق بعدها صوتٌ رخيم مردداً:
#هنااااا أم درمان،، إذاعة جمهورية السودان.
أصحو متضجرة علي صوت هذا الرجل الذي لا ينفك يوقظنا في تمام السادسة كل صباح.
*السادسة_بتوقيت_الذكريات*
يحتسي جدي الشاي، ويدس في يد جدتي جنيهات معدودات تكفي لإعداد وجبة غداء معتبرة، يلبس جلبابه الأبيض ذو الرقبة المثلثة، يلف عمامته بإحكام بعد أن تتوسطها الطاقية الأنصارية.
يضع على كتفيه شالٌ قطني مطرز يدوياً، يحمل عصاه الخيزران يضرب بها الأرض بشدة ،يتنحنح ويخرج تتبعه همهمات جدتي بالدعاء والرزق الوفير .يطيب له المديح يسمعه حيناً وينشده أحايين كثيرة.
كنت لا أزال صغيرة، وأكبر همي ثوبٌ جديد أخيطه لدميتي الصغيرة بيدي، ومبلغ علمي جزارة (حيدر الكواهلي) حيث أرافق جدّتي، و دكان (موسى النوباوي) ،و (آدم المكوجي) ، و بائع آخر متجول بعربة (كارو)، تتجمع حوله نسوة الحي، أعدو إليه أنا ما أن أسمع صياحه، أخبره بلسان طفولي متلعثم وقلب بريئ، موجزاَ بأهم وآخر أخباري، مثل سقوط سنتي الأمامية ورميي بها إلى عين الشمس، تصحبها همهمة :
(هاك سن الحمار وأديني سن الغزال) .
كنا نظن لبراءتنا أو لجهلنا أن الشمس من تمنحنا أسنان جديدة.
أخبرته أيضاَ بثقب أذناي قائلة : (كرم الله قدوا لي أضاني)، وصرت يومها أضحوكة الحي لأني كنت أنطق الكاف تاءً والقاف دال.
بيوت الحي أبوابها مشرعة وقلوبها مفتوحة للجميع، نتنقل بينها دون حذر أو خوف، والديوان لا يكاد يخلو من الضيوف العابرين أو المقيمين، يذهب أحدهم ليأتِ آخر.
كبرت،،،،
وصرت كلما باغتني نسيم النيل في أم درمان، أتتني صورة جدي بوجهه الصبوح وقامته المهيبة، يلف شاله المطرز، ويحمل عصاه الخيزران، أسمع وقع صوتها على الأرض، وهمهمات صلاته ، وراتب المهدي، وأحاديث الضيفان.
وكلما ذكرت جدي تقافزت أمامي ذكريات الطفولة الغضة، ورأيت فيه أم درمان.
تسكنني أم درمان قبل أن أسكنها، تغيب عنها الأجساد، وتبقى بداخلنا متشبثة بالروح تتنقل معها حيث تحل !
النيل يجري مع الدم في العروق، والطابية تأخذك إلى مشهد نضالي بعيد، وصفحات من تاريخ هذا البلد الأمين.
دار الرياضة، الهلال المريخ الموردة، ونِزالاتٍ رياضية ينقلها ذات المذياع على الهواء مباشرة.
المجلس البلدي وساعته الشهيرة التي كانت تصدر صوتاً يشبه صوت الدقات تلك.
قصر الشباب والأطفال، المسرح القومي، الإذاعة والتلفزيون، كابتن كابو وخطوبة سهير وأعمال فنية أخرى.
أبو سعد،، أبي روف، بيت المال، الثورات، ومدينة صغيرة تأوي إليها كل من أتاها.
الطيبة والكرم والتاريخ، العشق الذي يجيده الأمدرمانيين وحدهم، ويثير فضول غيرهم، وطن أصغر يفضي إلى وطن كبير، تختلف فيه السحنات والأشكال والألوان وتتشابه فيه القلوب . ما أن مات جدي حتى ضاعت فروته وعصاه ومذياعه، وتهدّم الديوان.
هاجر شباب الحي، وحلت الشاشات والفضائيات محل الراديو، ضاقت البيوت بما رحبت، وأغلقت الأبواب، تشتت الشمل وتفرقت القلوب، إلا أنني لا أزال كلما دقت الساعة دقاتٍ ست ذكرت جدّي وصوتٌ رخيم يردد :
هنا أم درمان،، إذاعة جمهورية السودان.