كيف اثر الحرب على متحف السلطان دينار في دارفور
الفاشر/ محمد زكريا
تُعد مباني متحف السلطان علي دينار في مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور غرب السودان، من المعالم التاريخية البارزة التي تجسد مراحل متعددة من تاريخ السلطان دينار، الذي حكم المنطقة منذ عام 1898 حتى 1916
وقبل اندلاع الحرب في السودان، كان المتحف مركزًا ثقافيًا وتعليميًا نشطًا، يجذب الزوار من مختلف أنحاء البلاد والعالم. ويحتوي المتحف على مقتنيات أثرية قيمة، بالإضافة إلى برامج تعليمية ومعارض تعزز الوعي الثقافي، مما يجعله وجهة مميزة للمهتمين بالتاريخ.
ومع بدء الحرب في 15 أبريل 2023، أصبح مصير هذا المتحف ومحتوياته مهددًا. تم إغلاق أبوابه أمام الزوار كإجراء احترازي لحماية ممتلكاته القيمة، التي تعود لأكثر من 55 عامًا منذ تأسيسه في عام 1970.
ورغم الجهود المبذولة للحفاظ عليه، لم ينجُ المتحف من تداعيات الحرب، حيث تعرض مؤخرًا للقصف من قبل قوات الدعم السريع، مما أسفر عن أضرار جسيمة في مختلف أرجائه.
وفي حديثه للسوداني بوست قال حفيد السلطان ، أن المتحف تعرض لأضرار كبيرة نتيجة القصف المدفعي المستمر. وأوضح أن المباني والقطع الأثرية داخله تضررت، دون وجود إحصائيات دقيقة حول حجم الأضرار. وأشار إلى أن هذا الاستهداف سيؤثر بشكل كبير على مستقبل الموروث الثقافي في المنطقة، مما ينذر بفقدان المجتمع جزءًا أساسيًا من تاريخه وهويته. وأكد أن “التراث الثقافي ليس مجرد آثار، بل هو هوية وتاريخ للأجداد، ويجب أن يحميه الجميع بكل ما أوتي من قوة.” وأعرب عن أسفه العميق لما يحدث، مشددًا على أن الأجيال القادمة ستعاني من فقدان هذا الإرث إذا استمر الوضع على ما هو عليه.
ومن جانبه، دعا أمين الفكر والثقافة بمجلس السلطان علي دينار، الدكتور إبراهيم أبكر سعد، المجتمع الدولي إلى التدخل العاجل لحماية المواقع التاريخية والثقافية في البلاد. وحذر، في حديثه للسوداني بوست، من أن تدمير هذه المواقع يهدد السلام والاستقرار المجتمعي في المنطقة، مشيرًا إلى أن مجلس السلطان بصدد رفع قضية دولية للجهات المعنية حول قصف المتحف في الفاشر.
ومن جهة أخرى، قال بيان صحفي صادر عن مكتب وكيل السلطان علي دينار أن قوات الدعم السريع قصفت المتحف الذي يضم آثارًا ومقتنيات تاريخية بعدد من القذائف. وأكد البيان أن الخراب والتدمير طال المباني الأثرية والمقتنيات الثمينة واعرب عن أسفه لنقل هذا الخبر للجمهور المهتم بتاريخ المنطقة، كما أدان بأشد العبارات هذا التعدي غير المسبوق على ما تحتويه دارفور من آثار.
وفي مارس من العام 2023، أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) قصر ومتحف السلطان في مدينة الفاشر غرب السودان ضمن قائمة التراث العالمي. وأكدت مديرة اليونسكو آنذاك، السيدة إيرينا بوكوفا، أن القصر والتراث الثقافي يعدان عاملين مهمين للسلام والتنمية في المنطقة.
وُولد السلطان علي دينار في قرية “شوية” بدارفور، وشُيد قصره في أوائل القرن العشرين، تحديدًا في عام 1905، ليكون مركزًا للحكم والإدارة في سلطنة دارفور. وبعد وفاته، تم تحويله إلى متحف في عام 1977، ويحتوي على مجموعة من الآثار والمقتنيات التي تعود إلى فترة حكمه. وقد جرت عملية إعادة ترميمه مؤخرًا بواسطة الحكومة التركية، ممثلة في الوكالة الرسمية “تيكا“
ووفقًا لقاسم عبدالله الفكي، المدير العام السابق لوزارة الثقافة والإعلام في شمال دارفور، فإن من أبرز المعروضات في المتحف كرسي السلطان، وهو هدية من الإمبراطورية العثمانية، بالإضافة إلى طبلين نحاسيين يُستخدمان في إعلان الحروب والأفراح، إلى جانب مجموعة من الأسلحة والمخطوطات الأثرية القديمة. كما يحتوي المتحف على أختام السلطان وسيوف فضية وبنادق وملابس السلطان وعرشه، فضلاً عن عملات فضية وأوانٍ مطلية بالذهب ومخطوطات إسلامية. وأكد الفكي، في حديثه للسوداني بوست أن المتحف يعد الأول في دارفور والثاني في السودان بعد المتحف القومي.
والسلطان علي دينار (1856-1916) هو آخر سلاطين مملكة الفور من قبيلة الكيرا في سلطنة دارفور بالسودان، حيث اتخذ مدينة الفاشر عاصمة له. وقد أسس مصنعًا لصناعة كسوة الكعبة، وظل لمدة عشرين عامًا يرسل الكسوة إلى الكعبة في مكة المكرمة. كما يُنسب إليه حفر آبار على ميقات أهل المدينة للإحرام للحج والعمرة بالقرب من المدينة المنورة وتجديد مسجد ذو الحليفة.
وبحسب عبدالرحمن يوسف، حفيد السلطان، بدأ العمل في تشييد القصر الذي تحول لاحقًا إلى متحف في عام 1871، واكتمل البناء في عام 1912، حيث قام ببنائه حرفيون أتراك وإغريق مستلهمين من الطراز المعماري الإسلامي. وأوضح للسوداني نت أنه تم وضع بعض الهدايا والغنائم القيمة التي كانت تُهدى إلى السلطان من مختلف دول العالم. وبعد استشهاده، أصبح القصر مقرًا للكولونيل كلي، قائد القوة البريطانية، ولاحقًا تحول إلى مقر للمحافظين الوطنيين حتى عام 1976. وذكر أن القصر يُعد ثاني المتاحف في البلاد بعد المتحف القومي.
وتُعتبر “سلطنة الفور” آخر جزء من الدولة السودانية بالشكل الجغرافي الحديث، حيث تمكن الغزو الإنجليزي من إخضاعها في عام 1916 بعد معركة شرسة استبسل فيها السلطان دينار، والتي أودت بحياته وحياة الآلاف من جنوده.
ومنذ بداية الحرب في السودان، تعرضت العديد من المواقع الأثرية والمقتنيات للسرقة والتلف، بما في ذلك المتحف القومي الذي يحتوي على آثار وتماثيل مهمة ومجموعات أثرية ذات قيمة تاريخية ومادية كبيرة. كما لحق الخراب بمتحف بيت الخليفة في مدينة أم درمان ومتحف نيالا في جنوب دارفور.
وفي بيان صدر مؤخرًا، أكدت منظمة اليونسكو، التي تتخذ من باريس مقرًا لها، أن التهديدات التي تواجه الثقافة في السودان قد وصلت إلى مستوى غير مسبوق. ودعت المنظمة إلى حماية التراث الثقافي من التدمير والاتجار غير المشروع، مشددة على ضرورة امتناع الأفراد العاملين في تجارة السلع الثقافية حول العالم عن حيازة الممتلكات الثقافية من السودان أو المشاركة في استيرادها أو تصديرها أو نقلها إلى أماكن أخرى.