عـسـكـر و مـلـكـيـة.
بقلم / رمـزي الـمـصـري
في كتابه القيم جدا
( سنوات في دروب العسكرية والسياسة ) وضع الجنرال ( المتقاعد) حمدي جعفر يده بكل احترافيه في مكمن داء الحكم في السودان منذ الاستقلال وحتى تاريخ اليوم . صديقنا الجنرال حمدي جعفر وهو من ابناء عبري البررة واحد الذين قضوا سنوات طويلة في دهاليز العسكرية والسياسة.
يقول الجنرال حمدي في كتابه والذي يمكن تصنيفه من كتب السيرة الذاتية وفي سرد مطول وشيق يصف لنا وضعه قبل الالتحاق بالكلية الحربية عندما كان طالبا في المرحلة الثانوية في إحدى مدارس الخرطوم حيث كان حريصا على قضاء إجازاته السنوية في مسقط راسه عبري . يسافر من الخرطوم مستقلا إكسبريس حلفا حيث كان يمتطى سطح القطار وفي افضل الأحوال كان يستقل الدرجة الثالثة أو أحدي ممرات القطار . ومن وادي حلفا إلى عبري يمتطى ظهر اللوري وهو سعيد بذلك ويصل عبري ويقضي إجازاته وسط اقرانه واصدقاءه في البحر أو في ميدان الكورة أو في سهرات النادي وهكذا .
بعد تخرجه من الكلية الحربية برتبه ضابط ملازم قرر ان يزور مسقط راسه قبل الانخراط في العمل العسكري .. تعالوا لنرى معا ماذا حدث له بعد تخرجه مباشرة وهو يحمل على كتفه نجمه واحدة .
قال انه رفض ركوب قطار إكسبريس حلفا الا في درجة النوم وفي أسوأ الأحوال الدرجة الأولى الممتازة وبعد وصوله لوادي حلفا رفض الركوب في ظهر اللوري وأصر أن يكون بجانب السائق ( مقعد أمامي ) وعند وصوله لعبري لم ينجح في الانخراط مع أصدقاءه واقرانه كما كان يفعل !!!
يقول الجنرال حمدي أنه تساءل بينه وبين نفسه .. ماذا حدث له ؟؟ وما هذا التغيير الكبير في حياته ؟؟ وما هو هذا الزهو الذي بدا يشعر به بعد أن أصبح ضابطا في الجيش السوداني
يقول حمدي انه لم يكن سعيدا بهذا التغيير المفاجيء في حياته وان هذا التغيير لم يحدث لانه يرغب في ذلك بل يعود بسبب ما تم تغذية عقولهم به أثناء الدراسة في الكلية الحربية .
ما قاله الجنرال حمدي في كتابه يجسد لنا بالضبط المشكلة الحقيقية التي ظل السودان يعاني منها حتى اللحظة . منهج الدراسة في الكلية الحربية يخرج لنا ضباطا يعتقدون انهم خلقوا ليحكموا وخلقوا لاطاعة اوامرهم وأنهم فوق كل فئات المجتمع الاخرى .
ضابط الكلية الحربية يتصور نفسه انه فوق الكل وينظر لبقية أفراد المجتمع وكأنهم لا يفقهون شيئا وأنهم وحدهم يمتلكون ناصية حب الوطن والتضحية من أجله وأنهم الوحيدون الذين يحق لهم القول الفصل في مصير الدولة.
بعد أن قرأت كتاب ( سنوات في دروب العسكرية والسياسة ) تأكد لي تماما ان من أوجب واجبات إصلاح السودان ( بعد الحرب ) يجب أن يبدأ بمراجعة وتنقيح ما يتم تدريسه في الكلية الحربية ومراجعه منهجه جيدا بما يتوافق مع مصلحة الدولة .
ما أقوله ليس انتقاصا من مؤسسه الجيش ولكن هي محاولة لكشف مكامن الداء في هذا الجيش . نريد بناء جيش وطني يحترم ابناء شعبه ولا يحتقر الفئات الأخرى والذين هم وبالضرورة يتحملون عبء بناء الوطن جنبا إلى جنب مع الجيش القومي
شكرا جنرال حمدي جعفر على هذا الكتاب القيم
والله المستعان