عزيز جنرال يكتب.. صعوبة انتقال مرحلة أمن المصالح وحراسة الايديولوجية لمرحلة أمن الإنسان وبناء السودان 

عزيز جنرال يكتب.. صعوبة انتقال مرحلة أمن المصالح وحراسة الايديولوجية لمرحلة أمن الإنسان وبناء السودان

إن الهدف الاستراتيجى للامن لا يتحقق بتوقف الصراعات المسلحة وحدها، وإذ إن التضليل الإعلامي وبث الإشاعات والكراهية واللايفات والتسجيلات والتصريحات الغير مسؤولة قد تؤدى الى خسائر فادحة فى الارواح وتدمير المدن باكثر مما تفعل القوة المادية المجردة. ولذلك ان توفير الامن يتطلب منظورا أشمل واستراتيجية جديدة تستصحب تجارب الدول والامم والشعوب، خاصة محور المصالحات وتعزيز السلم المجتمعي والتعايش المشترك.

 إن مفهوم الأمن في السودان محتاج لإعادة النظر وإدراج عوامل اخرى فى مفهوم ذاته مثل البيئة والصحة والتعليم وأمن الفرد والمجتمع وأمن الغذائي والاقتصادي والسياسي أى مؤشر الحريات الاساسية ومراعاة الحقوق وكرامة الانسان فى المجتمع ومعدلات الفقر التى تؤثر على ميزان السلام الوطنى، فالامن الانسانى يتكامل مع الامن القومى ويحصنه.

 فالدولة التى تقتل و تقمع مواطنيها ولا تتعامل معهم

و لا تعرف مصادر قوة راسمالها البشرى لا تستطيع تحقيق التنمية المستدامة والسلام الدائم، والدولة التى لا تبالى بتحسين معدل الحريات المتاحة تصنع شعباً مهزوماً نفسياً، ولذا اندحرت النازية لانها هددت اوربا بآلتها العسكرية الصلبة وايدولوجية العرق الآرى المفروضة من عل من قبل حزب متطرف قائم على الاصطفاء العرقى وفي نهاية المطاف خسر الاتحاد السوفيتى معركته مع المعسكر الراسمالى لأنه اقام دولة مزرعة الحيوان او (لاخ الاكبر يراقبك) وهزم صدام حسين عند غزو الكويت فى اغسطس 1990 لأنه اعتد بتفوق ميزان القوة الصلبة مقارنة بمثيلتها فى النظام الاقليمى العربى، فكانت النتيجة وقوع العراق فى مصيدة عسكرية قادت إلى تحطيم الجيش العراقى وإنهاء النفوذ العراقى الاقليمى وزيادة النفوذ الاستراتيجى لدولة ايران تبعا لذلك.

  ولذلك يجب تغيير مفهوم الأمن في السودان من أمن النظام وحماية الشمولية بمنطق القوة إلى مفهوم الأمن الإنساني والذي يمثل الاطار العام لأمن الدولة لأن كثرة الجيوش وتدفق السلاح وعسكرة العقول واستعراض العضلات ليست مظهر من مظاهر وجود الامان والسلام، بل أزمة في حدة ذاتها، ولذا تحقيق الأمن المستدام يأتي من خلال توفير التعليم والصحة وفرص العمل للشباب والعدالة الاجتماعية وسيادة حكم القانون واحترام التنوع الثقافي والتعدد و ارساء قواعد الحكم الراشد لبناء سودان حديث في إطار مجتمع علمي وديمقراطي.

إن الحروب التاريخية في السودان هي مظهر من مظاهر الفشل في خلق دولة ديمقراطية حديثة تسود فيها قواعد الاعتراف واحترام التنوع الثقافي وتوطيد قيم حقوق الإنسان و السيادة الوطنية قبل السيادة الخارجية. وإن إستراتيجية صناعة مؤسسات موازية لتدمير الآخرين قد أثبتت عدم جدواها، بل أصبحت جزءاً من المعضلة القائمة اليوم، وستستمر الكوارث والازمات اذا لم نتحرر من محاولة فرض و تطبيق التصورات العرقية والفكرية والجهوية الضيقة في بلد فيه أكثر من دين ولغة وثقافة وجهة وفكر واثنية.

يعتقد البعض بأن الحل في البل المادي واستمرار نزيف الدم ولكن ما هي المحصلة النهائية لهذا البل؟ تفكيك ام تقسيم الدولة؟ صعود مركز اجتماعي وجهوي جديد ام إعادة تمكين التيار الاسلاموي؟؟ تسوية سياسية جديدة لصالح السودان القديم ام تصميم إطار يقود إلى خلق السودان الحديث وإنهاء المغامرة التاريخية وتصفية ادوات التهميش واقناع آليات الحوجة للذهاب إلى مراكز الاستنارة والمعرفة ؟؟؟ إن التحدي الأساسي في السودان هو موضوع القيادة والقيادات وانعدام القيم والمبادئ والكرامة وموت الضمير وتنامي ظاهرة الارتزاق السياسي بكل أسف وبدون خجل.

21/10/2023

azizgeneral33@gmail.com

شارك على
Comments (0)
Add Comment