رمضان في الجديد حيث تتحول الطرق إلى موائد، والغرباء إلى أهل

رمضان في منطقة الجديد لا يُقاس بعدد الأيام بل بما يتركه في الروح من أثرٍ لا ينطفئ. في المدن يمر رمضان كطقسٍ فردي: أبواب مغلقة، موائد محدودة، صلوات سريعة ووجوه تمر دون أن تعرف بعضها. أما في منطقة الجديد فالأمر مختلف تمامًا؛ فقبل المغرب بساعات تبدأ الحركة: نساء يجهزن العصيدة، يضعن البلح في الصحون، ويملأن الأكواب بالعصير. تفاصيل تتكرر كل عام لكنها لا تشيخ: أصوات الأواني، رائحة الطعام ولمعان الصحون تحت ضوء المغيب.

في حي الجديد العوامرة خلف شارع الأسفلت وأمام المسجد العتيق تتحول الأرض تدريجيًا إلى مائدة طويلة بلا حدود، يجلس فيها الناس صفوفًا متقاربة كأنهم جسد واحد. الأطفال يركضون بين الأطباق، يضحكون ويتشاجرون؛ المكان بسيط، لكنه مهيب. كنت واحدًا من أولئك الأطفال؛ أركض، أتعثر، أضحك، ثم أعود لأجلس في مكاني دون أن أدرك أن تلك اللحظات ستصبح يومًا أكثر ما أفتقده في حياتي. الحقول تحيط بالقرية من كل الجهات، تمتد بخضرتها الصامتة حتى الأفق وأشجار النيم تقف كحارسٍ لا ينام. تمر السكة الحديد على مقربة من المكان، خطًا طويلًا يشق الأرض ثم يختفي، كأنه شاهد صامت على أزمنة مضت. وعند الغروب يهب نسيم خفيف يحمل رائحة الطين المبتل والنيل والزرع فيغمر القرية بأسرها. وعلى امتداد الطريق لا يخرج حي العوامرة وحده؛ فمن الباقير والجديد القهوة وحي العطشة وحي الدبب وحي عمران تخرج الصواني تباعًا، وتدخل الشقلة عوج الدرب والمسعودية والنوبة والمسيد فتكتمل بها صورة الطريق قبل الغروب. كل قرية تأتي ومعها طريقتها ونكهتها ووجوهها، كأنها تقول: نحن هنا، ما زلنا معًا وما زال رمضان يجمعنا. الصبية يحملون الأطباق، رجال يسيرون بجوارهم وأطفال يتبعونهم بفضولٍ وفرح. الأواني تتلألأ والطعام يتصاعد منه البخار والناس يمشون بخطى ثابتة كأنهم ذاهبون إلى موعد لا يتأخرون عنه أبدًا. وعلى طرف الطريق يقف رجال يعرفهم الجميع وشباب في منتصف شارع الأسفلت كل يوم في المكان نفسه، ينتظرون السيارات العابرة والعربات المارة: حافلات التي وشاحنات وبصات سفرية متجهة إلى الكاملين ومدني وسنار والقضارف وسيارات تحمل غرباء لا يعرفون المكان. يلوحون لها بالتوقف لا يسألون من أنت ولا من أين جئت. من يقف ينزل ويفطر ومن يكمل طريقه يذهب محاطًا بدعوات لا يسمعها. هذا المشهد يتكرر يوميًا، لا لأن أحدًا خطط له بل لأن القرى تربت عليه لا كعادةٍ اجتماعية بل كإيمان بسيط بأن الخير لا يحتاج إلى ترتيب. وقبل الأذان بدقائق يسود سكون غريب ثقيل لكنه مطمئن. يرفع الرجال رؤوسهم نحو السماء بالدعاء، ثم يرتفع صوت المؤذن فيتحرك كل شيء دفعة واحدة. تمتد الأيدي ويُسكب الماء وتتداخل العبارات: “اتفضل… زيد… خذ… تعال قريب…” كنت أنتظر تلك اللحظة كأنها عيد صغير، لا بسبب الطعام بل بسبب ذلك الشعور بأن الجميع صاروا عائلة واحدة. الكرم هنا ليس سلوكًا بل طبيعة وغريزة، يظهر في نظرة وفي ابتسامة وفي صحنٍ يُدفع نحو غريب وفي رجلٍ يتأخر في فطوره ليأكل بعد أن يطمئن أن جميع الضيوف قد شبعوا. تعلمت هناك أن المروءة ليست في الكلام بل في أن تُطعم غيرك قبل أن تأكل. بعد الإفطار يبدأ الحديث وتعود القصص القديمة، وتعلو الضحكات، ثم يتحرك الجميع نحو المسجد العتيق الذي يقف في قلب المكان ذاته كأنه ذاكرة القرية نفسها وجدرانه تحمل آثار السنين وساحته الترابية الواسعة التي طالما رحبت بالضيوف واستقبلت العابرين. الأطفال يملؤون الفراغ بالحركة ويركضون ويختبئون خلف الصفوف ويضحكون. يرتفع فجأة صوت الإمام ومع كل ركعة يشعر الجميع بالشبع والطمأنينة. كنت أملّ أحيانًا من طول الصلاة واليوم أتمنى لو تعود تلك الليالي ولو لدقيقة واحدة. لكن الزمن لا يظل ثابتًا والوجوه تتغير. الغياب يحدث فجأة وجوه كانت جزءًا من المشهد اختفت. رجال كانوا يقفون في منتصف شارع الأسفلت لم يعودوا، ونساء كن يجهزن الصواني صارت أسماؤهن تُذكر بالدعاء. أطفال كانوا يركضون صاروا رجالًا يحملون الصواني بدل آبائهم. الموت غيّب أشياء كثيرة والرحيل أفقدنا الكثير. وأنا صرت واحدًا من أولئك الذين غابوا ويبحثون عن أنفسهم في المكان. الفراغ لا يظهر فجأة بل يتسلل بشكل رهيب. خمس سنوات من الغربة والغياب القسري كفيلة بأن تغير الكثير. تعود في رمضان فتبحث عن صوت اعتدت عليه وعن رجل كان لا يغيب عن مكانه، وشخص اعتدت رؤيته رحل فجأة، وامرأةٍ كانت تُعرف بطبقها غابت عن الدنيا. في الغربة يصبح رمضان شيئًا آخر تمامًا: تفطر وحدك، تصلي في مسجد لا يعرفك وتمشي في شارع لا يلتفت إليك أحد فيه. وهناك تفهم الحقيقة المؤلمة: رمضان ليس في الطعام ولا في الزينة ولا في الشاشات بل في وجودك بين الناس ووسط أهلك وعشيرتك وفي إحساسك بأنك جزء من مكانٍ يعرفك حتى لو غبت عنه. ولهذا يخطط المغتربون ويوقتون إجازاتهم في رمضان ليجلسوا على تلك المائدة الممتدة خلف شارع الأسفلت ويستمعوا إلى الأذان من ساحة المسجد العتيق، ويروا الأطفال يركضون ويقرأوا الفاتحة على من رحلوا. قد تتغير القرى والمدن وقد يهاجر أبناؤها، وقد يختفي بعض الذين كانوا أعمدة إفطار رمضان ولكن المائدة تبقى لأنها ليست طعامًا بل عهد قديم بين الناس. وهذا هو الحنين الحقيقي: أن تشعر أن جزءًا منك ما زال جالسًا هناك بين أصوات الأطفال وبين أطباق الإفطار وعلى حافة الطريق ينتظر الأذان.

شارك على
Comments (0)
Add Comment