في المشهد الغنائي السوداني حيث تقف الموهبة دائمًا في مواجهة منظومة معقدة من الإعلام والفرص والعلاقات، يظهر اسم الفنان رامي عمر كحالة فنية تستحق التوقف عندها بجدية لا كمجرد صوت شاب بل كمشروع غنائي لم يُمنح بعد المساحة التي توازي قدرته الحقيقية. فهو ليس ظاهرة عابرة ولا صوتًا خرج من برامج الهواة ثم اختفى. هو فنان تشكل على مهل داخل مدرسة الغناء السوداني الكلاسيكي، يحفظ إرثه ويؤديه بوعي ويُجيد التعامل مع طبقاته الصوتية ومساحات التعبير فيه. يعرفه الجمهور أولًا عبر أدائه المتقن لأعمال العمالقة وهو أمر يحمل دلالة مزدوجة: من جهة يكشف قدرته الفنية العالية، ومن جهة أخرى يكشف خللًا في البيئة الفنية التي أبقته في مساحة المؤدي الجيد بدل أن تدفعه إلى منطقة المشروع الخاص.
المفارقة أن رامي عمر من الأصوات التي راهن عليها كبار الفنانين مبكرًا. كان حاضرًا في تجارب حية وفي مساحات احتكاك مباشر مع موسيقيين ومطربين مخضرمين رأوا فيه خامة حقيقية قادرة على الاستمرار وظهر بوضوح في تجربة “نجوم الغد”، حيث قدم أداءً لافتًا أثبت أنه ليس مجرد مقلد بل صاحب حس موسيقي وقدرة على الإمساك بالتعبير الدرامي داخل الأغنية. ومع ذلك لم تُفتح له الأبواب التي تُفتح عادة لمن هم أقل موهبة.
هنا تبدأ قصة الظلم الحقيقي. ليس ظلمًا شخصيًا بل ظلم منظومة إعلامية وبرامج غنائية باتت تحكمها معايير لا علاقة لها دائمًا بالفن. في الوقت الذي امتلأت فيه الشاشات بأسماء صعدت بسرعة ووجدت طريقها إلى برامج كبرى ومنصات جماهيرية، ظل رامي عمر خارج الدائرة. ليس لأنه أقل قدرة بل لأن الفرصة لم تُمنح له بالقدر ذاته. كثير من الأصوات التي تظهر اليوم في البرامج الغنائية أقل من حيث الإمكانات الصوتية والوعي الموسيقي لكنها تمتلك ما يفتقده هو: الظهور الإعلامي والدعم وشبكة العلاقات.
الإعلام الغنائي السوداني في جزء منه ما يزال أسير الأسماء الجاهزة أو الوجوه التي يسهل تسويقها. بينما الفن الحقيقي يحتاج زمنًا وتراكمًا ومساحات اختبار. رامي عمر وقع ضحية هذا النمط؛ فبدل أن يتم الاستثمار في صوته، تُرك يتحرك منفردًا بين الحفلات ومقاطع اليوتيوب ودوائر الجمهور المحدودة. وليس سرًا في الوسط الفني أن بعض الفنانين يدفعون مبالغ مالية مقابل الظهور الإعلامي في البرامج التلفزيونية أو للحصول على لقاءات صحفية أو حتى مساحات تغطية في الصحف والمواقع. هذه الممارسات وإن كانت لا تُعلن رسميًا، إلا أنها أصبحت جزءًا من معادلة الظهور والانتشار مما يجعل المنافسة غير متكافئة بين من يملك القدرة على الدفع ومن يملك الموهبة فقط. وفي ظل هذه المعادلة المختلة يصبح من الطبيعي أن تتقدم أسماء أقل موهبة إلى الواجهة، بينما يتأخر حضور فنان يمتلك أدواته مثل رامي عمر وحسًا داخليًا بالتعبير وقدرة على التلوين وفهمًا للكلمة وهي عناصر نادرة في جيل سريع الاستهلاك.
لكن من الظلم اختزال مسيرته في فكرة الانتظار. فهو لم يتوقف ولم يختفِ بل ظل حاضرًا في مساحات الأداء الحي وفي تجارب متعددة تثبت أنه فنان يعمل بصمت. الصمت هنا ليس ضعفًا بل شكل من أشكال الصبر الفني الذي يسبق الانفجار الحقيقي. المشهد الغنائي نفسه يتحمل جزءًا من المسؤولية. هناك ميل دائم لتكرار الأسماء ذاتها في البرامج والفعاليات والمهرجانات حتى وإن لم تقدم جديدًا. بينما تظل أسماء مثل رامي عمر في الظل، رغم أن موهبتها قد تكون أكثر جاهزية وأكثر اتصالًا بروح الأغنية السودانية.
رامي عمر يمتلك الصوت والخبرة والوعي لكنه يحتاج إلى منصة تخرجه من دائرة الفنان الذي يعرفه أهل الفن إلى الفنان الذي يعرفه الجمهور الواسع وهو من تلك الأصوات التي لم تُستهلك بعد وربما لهذا السبب تحديدًا ما يزال قادرًا على أن يفاجئ وأن يقدم نفسه في اللحظة المناسبة كفنان كامل لا كضيف عابر في برنامج. والسؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرح اليوم: هل المشكلة في رامي عمر، أم في بيئة فنية لم تعد تمنح الموهبة حقها إلا متأخرًا؟ الإجابة يعرفها كل من استمع إليه جيدًا.