تحقيق: محمد الصديق
د. عبد الجليل عبد الله صالح – باحث في تاريخ الطرق الصوفية بالسودان
عندما يصبح التراث مهددًا بالنسيان، يتحول توثيقه من عمل ثقافي إلى مسؤولية تاريخية. في السودان حيث يمتد التصوف عميقًا في بنية المجتمع وتاريخه وثقافته، برزت مبادرات فردية تسعى إلى إنقاذ هذا الإرث من التلاشي، ومن أبرزها المشروع الذي يقوده الدكتور عبد الجليل عبد الله صالح، الأستاذ المساعد في اللسانيات التطبيقية والباحث في التصوف السوداني والطرق الصوفية، ومؤسس قناة «الصوفية في السودان» على منصة يوتيوب.
ينتمي الدكتور عبد الجليل عبد الله صالح إلى جيل من الباحثين الذين جمعوا بين التخصص الأكاديمي والانشغال المعرفي العميق بقضايا التصوف والتراث. وبوصفه أستاذًا جامعيًا وباحثًا في التصوف السوداني، لم يكن اهتمامه بالتصوف اهتمامًا ثقافيًا عامًا، بل مشروعًا علميًا امتد عبر سنوات من البحث والكتابة، صدرت له خلالها كتب متخصصة في هذا المجال من بينها: “الطريقة السمانية” و”الدور الديني والاجتماعي والأدبي للطريقة السمانية أم عيدان”، و”المرأة المتصوفة في السودان”، و”التصوف والسياسة في السودان”.
تعود البذرة الأولى لهذا المشروع إلى توجيه كريم من الشيخ السماني الشيخ البكري، شيخ الطريقة السمانية أم عيدان بولاية سنار الذي طلب في عام 2020 إعداد تسجيلات صوتية مبنية على كتبه المترجمة حول الطريقة السمانية وغيرها من الطرق الصوفية في السودان. ومع مرور الوقت تطورت الفكرة من مجرد تسجيلات محدودة إلى مشروع توثيقي متكامل يسعى إلى تقديم التصوف السوداني بوصفه مكونًا مركزيًا في تشكيل الهوية الدينية والاجتماعية والثقافية للبلاد. وفي هذا السياق يؤكد الدكتور عبد الجليل عبد الله صالح:
“إن التصوف في السودان ليس مجرد ممارسة دينية، بل هو ذاكرة مجتمع وهوية أمة، وتوثيقه اليوم مسؤولية معرفية قبل أن يكون عملًا ثقافيًا.”
وقد توسع المشروع ليغطي تاريخ التصوف في السودان منذ بدايات ظهوره في عهد سلطنة الفونج (1504–1821)، مرورًا بمراحل تطوره المختلفة، وصولًا إلى حضوره المعاصر. ويعتمد محتوى القناة على الطابع الوثائقي التحليلي، بهدف تقديم معرفة موثقة تتجاوز السرد التقليدي إلى الفهم العميق لدور الطرق الصوفية في المجتمع السوداني. انطلقت القناة رسميًا في 24 أكتوبر 2024، وركزت حلقاتها الأولى على دخول الإسلام إلى السودان ودور المتصوفة في نشره وتثبيت دعائمه، ثم انتقلت إلى تناول الأثر الاجتماعي للتصوف في تأسيس القرى والمدن وبناء النسيج المجتمعي. وقد نشرت القناة منذ انطلاقها عشرات الحلقات التوثيقية التي تناولت تاريخ التصوف في السودان. كما قدمت حلقات توثيقية حول نشأة المديح النبوي في السودان، شملت التعريف بشعرائه وتوثيق سيرهم الذاتية وعرض نماذج من أشعارهم. وحظيت القناة بتفاعل واسع من المهتمين بتاريخ التصوف والتراث السوداني.
وتوسع المحتوى ليشمل السير الذاتية لأشهر المداح والمنشدين، ودور المرأة المتصوفة في الحياة الدينية والاجتماعية، مع توثيق أبرز الشخصيات النسائية في هذا المجال، إضافة إلى حلقات تناولت المولد النبوي في السودان، والحج في شعر المتصوفة، وأثر الدين والتصوف في الشعر السوداني الحديث وشعر الحقيبة.
وفي مرحلتها الحالية تتناول القناة أثر الدين والتصوف في الفنون السودانية، بما في ذلك الأدب، مع تغطية خاصة لتجربة الأديب الطيب صالح بوصفها نموذجًا لتداخل البعد الروحي مع السرد الثقافي والهوية السودانية. تهدف القناة إلى تحقيق جملة من الأهداف الأساسية من أبرزها: توثيق تاريخ التصوف والطرق الصوفية في السودان توثيقًا علميًا، وبناء أرشيف رقمي يحفظ الذاكرة الصوفية السودانية من الاندثار، وتعزيز الوعي بالدور الحضاري للتصوف في تشكيل المجتمع السوداني. وتمثل هذه القناة محاولة لإعادة قراءة هذا الإرث، وتقديمه للأجيال الجديدة بلغة معاصرة، دون أن تفقده أصالته أو عمقه أو روحه. ويختتم الدكتور عبد الجليل حديثه بقوله:
“الذاكرة الروحية للسودان إن لم توثق اليوم، ستضيع غدًا.”
لمتابعة القناة الرسمية:
https://youtube.com/@sudanesesufismhistorydevel-r4i?si=RtNhQLjwoBzonAwi