نٓكزة :حكومة الأمل أم وزارة البهجة والمسرة؟!
بقلم : الصادق إسماعيل علي
في الدول التي تخوض الحروب، لا تُشكَّل الحكومات للزينة السياسية ولا لإكمال مشهد البروتوكول، وإنما لتكون غرفة طوارئ وطنية تدير ما تبقى من الدولة، وتحفظ حياة الناس، وتخفف آثار الحرب، وتحشد الموارد والإرادة لمعركة البقاء نفسها.
ولذلك بدا تعيين رئيس وزراء وتشكيل حكومة كفاءات وطنية محترفة، في ظل هذه الحرب المدمرة، خطوة منطقية وعملية تستحق التأييد والدعم.
كان المأمول أن تتفرغ القيادة العسكرية لإدارة المعركة ومتطلباتها، بينما تتولى الحكومة إدارة معاش الناس، وحماية الاقتصاد، وتوفير الخدمات، ومعالجة الانهيار الاجتماعي والإنساني الذي أصاب البلاد بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب والدمار والنزوح واللجوء.
وبالفعل تم تكليف الدكتور كامل إدريس برئاسة الوزراء، ثم شُكِّلت الحكومة لاحقًا. لكن بعد مرور أكثر من عام، لا يكاد المواطن يرى أثرًا حقيقيًا لها في واقعه اليومي، لا في الاقتصاد، ولا في الخدمات، ولا في الإدارة، ولا حتى في رفع الروح العامة للناس.
أول ما عجزت عنه هذه الحكومة هو إعادة هيكلة الاقتصاد ليتواءم مع ظروف الحرب، عبر السيطرة على الموارد، وإدارة مقدرات البلاد بكفاءة، وتوجيه عائداتها لتخفيف معاناة المواطن الذي فقد منزله ومدخراته ومصدر رزقه، وأصبح نازحًا أو لاجئًا أو مطاردًا بلقمة العيش.
لكن الحكومة إختارت الطريق الأسهل دائمًا: الجباية.
جباية من مواطن معدم، يسأل الناس قوت يومه، بينما الفساد يمرح في المؤسسات كما تشاء له الأقدار!
أما الفساد نفسه، فقد تمدد كالنار في الهشيم، حتى لم تعد مؤسسة اتحادية أو ولائية أو محلية بمنأى عنه، بما فيها بعض الجهات التي يفترض أن تكون مهمتها الأساسية حماية القانون ومحاربة الفاسدين.
وعجزت الحكومة كذلك عن تقديم الحد الأدنى من الخدمات الأساسية التي تشجع المواطنين على العودة إلى ديارهم، واستئناف دورة الإنتاج، وإحياء المدن والقرى التي أنهكتها الحرب.
فلا كهرباء مستقرة، ولا مياه، ولا صحة، ولا تعليم، ولا بنية تحتية تليق بدولة تريد إقناع مواطنيها بأن العودة ممكنة.
بل حتى في ملف حشد الطاقات الوطنية لصالح معركة الكرامة، وهو الملف الذي كانت فيه الروح الشعبية متقدة قبل تشكيل الحكومة، لا يكاد المرء يلمس مساهمة حقيقية تذكر.
كأن الحكومة حضرت بعد اندلاع الحريق، ثم جلست تتأمل ألسنة اللهب من بعيد!
وعلى مستوى الولايات والمحليات، فشل واضح في إدارة شؤون الناس بكفاءة وهيبة دولة، خاصة في ملفات توطين الإنتاج بمناطق النزوح، واستغلال الفرص الاقتصادية، وتحسين البنية التحتية، وتوفير الخدمات الضرورية، وتهيئة البيئة المناسبة لعودة النازحين واللاجئين.
أما خارجيًا، فلم تنجح الحكومة في بناء تحالفات مؤثرة تخدم السودان في معركته السياسية والدبلوماسية واللوجستية.
وحين تابع الناس بعض الزيارات الخارجية لرئيس الوزراء — وآخرها إلى الفاتيكان — وقف المواطن السوداني حائرًا يتساءل:
ماذا يملك الفاتيكان ليقدمه لمعركة الكرامة؟!
هل نحن في معركة دبلوماسية أم في رحلة سياحية روحية؟!
أزمة حكومة “الأمل” — كما سماها رئيسها — تبدو في جوهرها أزمة قيادة سياسية منفصلة عن واقع الناس.
رجل حالم، ساهٍ، يتحدث وكأنه جاء من كوكب آخر، لا يسمع أنين المواطن السوداني، ولا يرى تفاصيل الحرب اليومية، ولا يدرك حجم الانهيار الذي يعيشه الناس.
ولذلك، ربما كان الأنسب — بدل مجلس الوزراء — أن ينشئ له السيد رئيس مجلس السيادة “وزارة للبهجة والمسرة”، ويمنحه حقيبتها رسميًا، ثم يبحث لهذا الشعب المنكوب عن رجال يشبهونه، يعرفون أوجاعه، ويعيشون تفاصيل معاناته، ويملكون القدرة على الفعل لا مجرد الكلام.
ولنتذكر دائمًا قول الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«مَنِ استعملَ رجلًا على عصابةٍ، وفيهم من هو أرضى لله منه، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين».
دمتم .. سالمين …. آمنين…. تآمين … لامين