” حزب الأمة القومي ”
بين رؤى الإمام وتحديات المستقبل
كتب : بدر الدين العتاق
نقطتان مهمتان أشير إليهما على خلفية الندوة التي أقيمت أمسية اليوم بالدقي تحت عنوان : ( الحل على خطى الإمام ، نحو مشروع وطني يوحد الأمة السودانية – القاهرة ٢٠٢٥ ) والتي نظمتها اللجنة العليا لإحياء الذكرى الخامسة لرحيل الإمام الصادق المهدي، تحت مظلة صالون الإبداع للثقافة والتنمية، وإدارة الحبيب الأستاذ أحمد يوسف قربين ، ولا أدخل في تفاصيلها فهي مبذولة على الوسائط الرقمية والميديا لمن أرادها ، وما يهمني هنا فقط ما سيرد طي هذه الكلمة.
النقطة الأولى : ديباجة ( نحو مشروع وطني يوحد الأمة السودانية ) ، أقول : رغم فضفاضية العبارة من ناحية ما تحمله من عدة معاني فاتحة أبواب التأويل الاصطلاحي السياسي إلا أنها قاصرة وذلك للأسباب الآتية :
١. تتكامل الرؤية بتكامل الأدوار السياسية لجملة الأحزاب السودانية وفق رؤية حقيقية تؤكد فكرة البناء الوطني بعيداً عن المزايدات السياسية والمحاصصات والمحسوبية الشخصية ، ولا تكون إلا بالجلوس مع أكثر من مائة حزب سياسي سوداني – وهذا شبه مستحيل حالياً – كلٌ يقدم ورقته ورؤيته المستقبلية لبناء وتعافي الوطن مما لحق به طيلة السبعين عاماً الماضية وبالتحديد منذ أحداث الخامس عشر من أبريل ٢٠٢٣ .
٢. من الخطأ القول بأن رؤية حزب الأمة القومي السوداني فيما دار اليوم وقبلها أنها لم تحرك ساكناً في مستنقع التخبط والتيه السياسي الراهن ، بل أؤكد سبقه في هذا المضمار بلا شك ، وهي خير من لا شيء بكل تأكيد .
٣. الاتكاء والتوليد على رؤية الإمام السابقة، لهي رهينة بوقتها التي طرحت فيه إذ لم تتسق رؤية المناقشين اليوم على بلورة ما يسمى بالتأسيس الرابع للحزب الذي كاد انتهاؤه منذ سنة ٢٠١٧ ( ٢٠١٤ -٢٠١٧ ) بما جدَّ من أحداث جسام ومؤثرات حقيقية على الراهن السياسي السوداني الآن آخذة في الاعتبار التغيرات الجيوسياسية المحلية والاقليمية والدولية وأثرها على مجريات الأحداث الراهنة بسبب الحرب القائمة الحالية بالبلاد .
٤. نعم ! إن استلهام أفكار وتجربات الإمام الصادق المهدي، لهي قمينة برمزيتها ودلالتها الإنسانية في المجالات الحياتية المعاصرة وبالذات السودانية، لكن أن تظل محل استنباط وتوليد فقط فهذا ليس عدلاً منطقياً بطبيعة الحال إذ يجب قراءة الواقعية المعاشة الآن في ظل التكهنات داخل الحزب نفسه قبل أن يلقي بظلاله الفكرية على بقية المجتمع المدني السوداني تحت أي مسمى كان ، ويجب أن تعرض عملياً التوصيات والمخرجات داخل الورش المنظمة لهيكلية الحزب على القاعدة الجماهيرية لاجازتها من عدمه ، تحت راية الديمقراطية المدنية الحديثة داخل أروقة الحزب نفسه .
٥. كثير ما ذكرت بوجوب فك التعارض في اتخاذ القرار المؤسسي بين رئيس الحزب ونائبه أو على أحسن تقدير بين المكاتب القيادية وبين مطابخ القرار السياسي وأن لا تمسك العصا من النصف في دبلوماسية التعامل السياسي والإداري والتنفيذي داخله ، فهذا لهو سياسي منفعي أغلب الظن .
٦. وجوب اتخاذ المواقف السياسية الحاسمة والناجعة للمشكل الحالي والمستقبلي من رؤية واضحة جملة وتفصيلاً غير ضبابية التأويل ، فلا أعتبر أنا أن هذه السياسية الضبابية / راجع أغلب التعارض والتناقض في اتخاذية القرارات المفصلية والمواقف ذات الملامح والشبه في أكثر أوقات استقرارية الحزب وتماسكه ناهيك منذ ثلاثة أعوام خلت / ذكاء وفهلوة ودبلوماسية رفيعة المستوى ، بل اعتبرها مضيعة للزمن وتناقضاً في لوائح الحزب الديمقراطية عند التأسيس بل اختلاف بيِّن في الآراء داخل أروقة المكاتب المعنية بلا شك .
٧. لم تتحدث الندوة ولا الأوراق المقدمة من المناقشين عن أسباب زيادة التضييق السياسي داخل وخارج السودان عليه ، واعني به الرأي العام للشعب السوداني ولمنسوبي الحزب ، كما أنها لم تناقش مراجعة تكرار ذات الوجوه القديمة لمواكبة المرحلة الجديدة المستقبلية بفرضية تغييرها مع أفكار تقدمية طليعية تعمل على إخراجه من وضعه الراهن والا سيظل الحال كما هو عليه بطبيعة الحال.
٨. لم يقدم المناقشون وأصحاب الأوراق والمتداخلون تبعات الحرب بقرار مفصلي يوضح مصداقية اتجاه الحزب نحو التغيير الطموح أو محاولة استرضاء الشعب السوداني من رأيه كمؤسسة لها تاريخها الطويل والمؤثر في السودان لتداعيات الحرب القائمة الحالية وسقوط الفاشر أو أي أحداث جرت في العامين السابقين عربوناً حقيقياً للطفرة المنشودة للطور التأسيسي الرابع ، وهي نقطة أراها مهمة للغاية ، لأنها تعمل على إزالة الغبن النفسي والضرر المادي والمعنوي للشعب السوداني من الحرب وكذلك إعادة الثقة .
٩. إن رؤية الإمام الصادق المهدي ، لآفاق مستقبل الحزب سياسياً وفي مختلف الاتجاهات الفكرية النظرية والعملية والمهنية وهلم جرا، لا بد أن تؤخذ باعتبارية تجديدها ذاتها بما يوافق ويتماشى مع مع متطلبات المرحلة الآنية والقادمة عبر استنباط ما هو جدير بالتطور والمصاحبة وبين ما هو غير قابل لاصطحابه في مرحلية الوقت وطبيعة المجتمعات التي تغيرت بنسبة عالية جداً في الفترة الأخيرة.
١٠. لم تتطرق الأوراق المقدمة حول المناطق المقفولة جماهيرياً وتاريخياً للحزب مع تعدد الأفكار والرؤى والولاءات الحديثة والتعددات الاسمية لنفس اسم الحزب لقيادات معروفة ، في كيفية معالجتها واحتواءها وخلافه ومواكبتها للمراحل القادمة .
النقطة الثانية : ما ورد في ورقة الأستاذ / أسامة سيد أحمد ، من نقله المباشر لآراء الإمام الصادق المهدي، غير المصحوب بالرأي الشخصي أو النقد المطلوب إذ لا قداسة في الرأي ، والتي عقب عليها المهندس / إمام الحلو ، البند ( ٤ ) أهم معالم التأسيس الرابع : [ فصل تام بين الحزب كمؤسسة سياسية وهيئة شؤون الأنصار كمؤسسة دعوية ] ، أقول الآتي :
١. إن أي مؤسسة دعوية لا تصاحبها فكرة تجديدية في الدين أو الإسلام – هناك فرق بين الاثنين – فلن يبارح المجتمع المعني ههنا بخاصة، والآخرين بعامة ، نقطة الصفر من فقهية الحيض والنفاس عند فقهاء القرن الثاني الإخراجي موضع أنملة ، ولظل الوضع التربوي والفكري والتعليمي رهن الفقه القديم مناقضاً ومربكاً لحركة التجديد والتعريف بالنبي محمد والإسلام والقرآن في ظل التطور السريع للعقلية الجمعية البشرية الحاضرة التي تبحث في الإسلام عن مخرج حياتي لكل مشاكلها ، فلا تجد عند حزب الأمة ولا هيئة شؤون الأنصار ملتجأ يشفي غلة الظامئ ولا رغبة الطامح .
٢. إن أهم مواصفات الداعية اليوم هو التسلح العلمي الفكري الإنساني العالمي المتجدد المتسارع في كل المساقات الفكرية النظرية والعملية والمهنية والهامشية وهلم جرا، وأن يكون ملماً بالثقافات والحضارات الإنسانية المجتمعية الحديثة والقديمة ، يحمل بين جنباته الأخلاق الفاضلة والمعاملة الحسنة وحسن الاستقامة واحترافية الدعوة لا أن يجعجع دون طائل ، وهذا لا أراه ينطبق على حملة الدعوة اليوم – مع صادق المحبة والتجلة والتقدير والامتنان لجهودهم المخلصة في سبيل كلمة الحق واعلاء راية الدين بلا شك – من الهيئة وشؤونها ، وهذه من الأهمية بمكان لا يستهان .
٣. لم تقدم الورقة أي اقتراحات بديلة أو تطويرية لفكرة الهيئة الدعوية ولم يتحدث المعني بالأمر وهو موجود على مقربة من المنصة بإبداء الرأي والمشورة والمشاركة مما يشير إلى أن الحال لن يبرح مكانه من تكرار ذات المنهج الفقهي القديم المتهالك في محاولة لترقيعه حداثوياً ولن يفلحوا إذاً أبداً .
٤. على المستوى الشخصي، يمكنكم مراجعة كتبي في هذا الباب وأخص بالذكر كتابي ” الفكرة الإنسانية العالمية ” وخلافه .
٥. لا يفهم من هذه النقطة أي خصومة شخصية أو فكرية – حاشا لله – بل يفهم منها بالضرورة خصومة المنهجية المتبعة بالهيئة وعموم حملة المنهجية الفقهية الدعوية القديمة لما يقابلها منذات السنخ والرأي .
٦. أكرر وأقرر : يجب تغيير كل الوجوه الحالية – مع كل الاحترام والتقدير والامتنان للجميع – في العمل الحزبي بكفتيه الدعوي التنظيمي والسياسي التنفيذي لضرورة المرحلة ، فهي اولى خطوات الحداثة المنهجية المنشودة .
٧. يجب تغيير الخطاب الإعلامي بشقيه السياسي والديني لمواجهة المرحلة ، فان التمرار لا فائدة منه مع توسيع قاعدة المشاركات في المحافل الدولية والعضويات في الكيانات العالمية بأطروحات وشخصيات جديدة .
٨. اتخاذ رؤية مشتركة بين الهيئة والحزب حول الخطاب المرحلي وبالتحديد الموقف السياسي الراهن من الحرب .
٩. تغيير منهجية الخط الدعوي بالتدريب والتأهيل والممارسة والمنهجية والمهنية وهلم جرا .
١٠. أخرى .
تفاصيل أكثر وأوفى بعد مراجعتي لجملة الأوراق المقدمة لاحقا إن شاء الله.
والله ولي التوفيق