” النبوة ” وادعاء النبوة
بدر الدين العتاق… باحث سوداني
ورد لفظ جمع نبي في القرآن الكريم بعدة طرق منها : أنبياء، نبيىن ، النبي وبطبيعة الحال يختلف المعنى باختلاف الرسم القرآني للكلمة ، فالرسم القرآني لكلمة نبيىن محذوفة أحد اليائين وحذفها يدل على أن النبوة ليست بمعناها المتداول قديماً وحديثاً من أنهم النبيين باثبات اليائين ، فبالحذف تفيد نبي بغير كتاب منزل كالتوراة والإنجيل والقرآن ، ونبي لكن ليس كمحمد وموسى وعيسى، من أنهم عليهم السلام أبرز الأنبياء والمرسلين بطبيعة الحال، ولكن بالاثبات العكس صحيح ، مثل مؤمن آل فرعون ، يمكن أن نطلق عليه نبي لكن ليس في مقام موسى والمعنى هنا الإنباء من غير المعتاد ، وصالح ، الرجل الصالح هو نبي عند قومه في مفهوم المصلح الاجتماعي ومثاله كثير .
صالح، في القرآن لم تأت ولا مرة واحدة بإثبات ألف صالح وجاءت في كل المصحف هكذا ( صلح ) مع وضع ألف خنجرية صغيرة بين حرفي الصاد واللام مما يعني أن صالحاً ليس نبياً بالمعنى الحرفي للكلمة ولكنه رجل صالح ومصلح مجتمعي، والدليل على ذلك الآية من سورة النجم : { وأنه أهلك عاداً الأولى * وثمود فما أبقى } مما يعني أن هناك عادا الثانية وهي عاد هود ، إذ صالح من قوم ثمود ، وهود من قوم عاد لكن امتدادا من قوم ثمود وهي عاد الأولى لأنه لم يذكر ثمود ههنا بالتخصيص ( راجع سورة الأحقاف ” واذكر أخا عاد ” الآية ، لم تذكر السورة صالحا ههنا ) باعتبارهم جماعة واحدة أو قوم واحد في زمانين مختلفين ، وفي الحالتين أثبت نبوة صالح وهود بلا كتاب بل هما نبيان مرسلان مصلحان مجتمعيان عبر التوجيهات العرفية ، ومثلهم لقمان الحكيم ومؤمن آل فرعون وخلافه.
الآية من سورة الأحزاب : { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيىن ، وكان الله بكل شيء عليما } ، ولك أن تلاحظ طريقة الرسم القرآني الموازي لخط رسم الحرف الإملائي العربي المعروف ، وهذا يؤكد بالضرورة أن النبوة الكتابية ختمت بمحمد ولكنها لم تختم به من باب اطلاقية الإنباء والمعارف والعلوم الربانية والفيوضات الإلهية المطلقة بطبيعة الحال احتذاء واقتداء بهم بلا شك.
اللافت للانتباه هنا ما ذكره الأستاذ المرحوم محمود محمد طه في كثير من كتبه ومحاضراته وندواته من أن النبوة ختمت بمحمد لكن الرسالة لم تختم واستدل بالآية السابقة : { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيىن ، وكان الله بكل شيء عليما } ، ولعله ههنا يشير إلى الرسالة المستمرة إلى أن تقوم الساعة بينما فات عليه الانتباه لطريقة اختلاف رسم خط حرف الرسم القرآني الموازي لخط رسم الحرف الإملائي العربي المعروف ليتبين له أن النبوة ذاتها لم تختم مثلها مثل الرسالة كذلك.
إن قضية ادعاء النبوة على مر العصور في التاريخ البشري 《 مسيلمة الكذاب ، خالد بن سنان ، نموذج 》 لهو قمين أن لا يخرج حاق مضمون المعرفة من طريق الإنباء ولا يعني قطعاً معرفة الغيب مطلقاً أو مجتزئاً لكن بالضرورة أن يفهم الإنباء على أنه علم غير مطروق ومعرفة غير مسلوكة ولا معروفة لظى سواد الناس الأعظم من قبل تتنزل على الإنسان عبر الفيوضات الإلهية والمعارف الربانية على مر التاريخ قديمه وحديثه.
أمر آخر لا يقل أهمية من ذلك، الإفتاء الفقهي والقانون المسنون من وراءه القائل في بعض المذاهب الأربعة المتعارف عليها باستتابة كل من يدعي النبوة خلال ثلاثة أيام وإن لم يتب يحق للحاكم أو ولي الأمر وهي الجهات القضائية ذات التشريعات الوضعية المبنية على فهم خاطئ في التفريق بين الرسمين بالقرآن لاختلاف المعاني ، يحق للحاكم أو العدالة قتله وسفك دمه لأنه لا نبي بعد محمد بنص الآية السابقة ، وهذا حق أريد به باطل ، لأن النبوة الكتابية مما أسلفنا ختمت به ولم تختم مطلقاً لتنزل المعارف الربانية والفيوضات الإلهية بطبيعة الحال احتذاء واقتداء بهم في كل العلوم الإنسانية المجتمعية الحديثة والقديمة .
هنا ينبغي التنبيه للجهات المختصة الناقلة عن كتب التراث الإسلامي الفقهي بكل مستوياته ومسمياته عالمياً والوطن العربي الإسلامي وهيئة علماء المسلمين ومجامع الفقه الإسلامي وهلم جرا – السوداني بالتحديد – مراجعة الضوابط اللغوية القرآنية بأهمية وضرورة التفريق بين طريقة رسم الكلمات في القرآن الكريم بعيداً عن مذاهب المذاهب الأربعة وما جاورهم من رأى وفتاوي تعمل بها الدولة والقضاء والمسميات الرسمية الدينية للدولة وأخص بالذكر السودان ، وبعيداً جداً عن التعصب المخل لمبادئ الفكر الحر على أن يكون الاحتكام للقانون وعبر التوجيه والإرشاد والمحاكمة دون المساس بحرية الفكر والعقيدة والرأي والتعبير وحقوق الإنسان وحقه في حرية التفكير والقول والعمل أو حجراً عليه باسم الدين وشعار بيارق الزندقة والردة والكفر والتكفير والخروج عن الملة والإرهاب الحسي والمعنوي بحجة المخالفة الشرعية مما درج عليه السلف الصالح واجماع الأمة والفقه الإسلامي للتفكير والتدبير في كتاب الله حيث أمر { أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها } سورة محمد ، ومنعاً للتحجر وجمود الفكر وتمحيص العقل وثبات النفس واتقان العمل بما يفيد المتلقي أينما كان وبالتحديد المتلقي السوداني .
إن ادعاء النبوة ليست بدعاً من القول كما في بعض الآراء ولا يقبل أن يعاقب عليها القانون والعقل الفقهي القديم والسلفي الأسير باسم الدين بالإعدام ، فقط لأن أحدهم ادعى النبوة ، إنما يكون القياس والمحاسبة والمحاكمة بالقانون والعرف من طريق النقد والحجة والمنطق والمعرفة والعلم ومقارعة الحجة بالحجة لدفع الضرر وجلب المصلحة ثم يؤخذ بنتيجة الفائدة من هذا الادعاء من عدمه بالمقارنة والمقاربة والتمحيص والتثبيت والمنهجية والمهنية العلمية بعد عرضها على المختصين ، 《 إيبو نوح ، مدعي النبوة في غانا ، ٣٠ عاماً ، نموذجاً ٢٠٢٥ 》 لكن الحكم من أول وهلة ترهيباً وتخويفاً بالإعدام أو استباحة الدم فهذا أمر مرفوض جملةً وتفصيلاً للعقل الجمعي الإسلامي الحادث وللانساني بعامة باسم القرآن نفسه الذي أمر بالدعوة الصادقة النافعة الهادفة لأي مجتمع كان ، قال تعالى من سورة الأعراف : { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } ومما يقال تأكيداً ههنا فإن العالِم المختص في مجاله لهو نبي في مجال تخصصه في كل العلوم الإنسانية المجتمعية الحديثة والقديمة، فعالِم الفلك نبي في مجاله ، وعالم الاسكافيه نبي في مجال تخصصه وهكذا ، ولا يعني قطعاً تجاوز حد الشرع أو النبوة في معناها الحقيقي كمحمد وموسى وعيسى عليهم السلام كما سبقت الإشارة إليه.
مما سبق ذكره ، أنبه الجهات المختصة للدولة أيَّاً كانت والسودانية بالذات في ظل الدولة المدنية الحديثة والديمقراطية المنشودة بعد ثورة ديسمبر المجيدة ٢٠١٩ ، مراجعة كل القوانين التشريعية الجنائية المختصة بأبحاث ودراسات القرآن الكريم والشريعة الإسلامية والدراسات الفقهية والمناهج التعليمية الدينية المرتبطة بالدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية المجتمعية الحديثة والقديمة والإسلامية خاصة بضرورة الحال ، مراجعة كل المواد القانونية التي تدين المفكرين والعلماء والباحثين والمدعين والمثقفين كل في مجاله وتنتهك حرياتهم وحقوقهم وتسلب كرامتهم وانسانيتهم ، وأن يوضع في الاعتبار التغيرات العلمية والفكرية والبحثية للأحياء والأشياء في كل لحظة بحكم الوقت والتي يصاحبها لزاماً تغيير وتطوير المناهج القانونية لتواكب العقل الجمعي الحادث والإنساني عموماً وأن تمنع وتنبه في دورياتها العلمية والأدبية والفنية والتاريخية والتوثيقية والقانونية والتشريعية وخلافه عدم الإرهاب الحسي والمعنوي لمن سبق تصنيفهم وتنبه إلى قضية الانفتاح العلمي الفكري الأكاديمي والمعلومة المجردة للبشرية الحاضرة حول كافة المجالات الحياتية المعاصرة وبالذات الإسلامية بُغية التوسع العلمي الفكري الإنساني العالمي المتجدد المتسارع في كل المساقات الحياتية المعاصرة وبالذات السودانية، وأن تمنع الجهات المختصة للدولة إبعاد خطاب التشدد النفسي والتعصب الفقهي والهوس الديني وخطاب الكراهية والعنصرية والجهوية والقبلية وخلافه ومعاداة ومحاربة الشخصنة بالشيطنة والاغتيال المعنوي في المنابر والفضائيات والفعاليات والتجمعات البشرية الحاضرة التي تبحث عن الفهم الصالح لتحل مشاكل وقضايا العصر الحالي والمستقبلي بشتى طرق التعبير المتعارف عليه فإن السودان لهو الموعود بهذه القيمة المعرفية ليقدمها لسكان هذا الكوكب عن جدارة وطيبة وسماحة نفس .
لمزيد من التفاصيل يمكن مراجعة كتابي ( القرآن ، جدلية التفكير وأزلية المعرفة ) تحت الإعداد، والله ولي التوفيق.