في أوقات السلم يعرف الناس بعضهم بالاسم وبالتحايا العابرة في الطرقات وبمناسبات الأفراح والأتراح. لكن في أوقات الحرب يُعرف الناس بقلوبهم. حين يضيق العالم وتُغلق الأبواب، يظهر معدن البشر الحقيقي: من يفتح بابه، ومن يفتح قلبه. هكذا حدث في الجزيرة، حين اشتعلت الحرب وتحولت القرى الهادئة إلى أماكن يطاردها القلق والخوف. لم يعد الليل مجرد ليل، بل صار ليلًا ثقيلًا تُقطعه أصوات الرصاص وتملؤه الشائعات وتثقل فيه القلوب بأسئلة لا تجد جوابًا.
في تلك الأيام العصيبة خرج أهل قرى الجديد: العوامرة وعمران والدبب والعطشة من بيوتهم، لا لأنهم أرادوا الرحيل، بل لأن الحرب دفعتهم دفعًا. خرجوا وهم يحملون ما استطاعوا حمله: طفلًا نائمًا على كتف أمه وكيسًا صغيرًا من الذكريات ومفتاح بيت لا يعرفون متى يعودون إليه. لم يكن الهروب قرارًا سهلًا، فليس أصعب على الإنسان من أن يترك بيته، البيت الذي يعرف فيه صوت الأهل ورائحة التراب بعد المطر. البيت ليس جدرانًا، بل جزء من الروح. لكن الحرب لا تسأل الناس إن كانوا مستعدين للفقد.
وسط هذا الألم، كانت قرية الشقلة عوج الدرب تقف هناك مثل قلبٍ مفتوح في وجه الريح. لم يسأل أهل الشقلة من أين جئتم، ولا ماذا معكم ولا كم ستبقون. لم تكن هناك لجان ولا شروط ولا حسابات. كان هناك شيء واحد فقط: الإنسانية. فتحوا بيوتهم ودواوينهم. اقتسموا الطعام والماء والظل. صار البيت الواحد بيتين وصار الفناء الذي كان يتسع لعائلة يتسع لعائلتين وثلاث. وصار الخبز الذي يكفي عشرة يكفي عشرين. في تلك اللحظة صارت القرى قرية واحدة كبيرة اسمها السودان. كانت النساء في الشقلة يستقبلن القادمات بقلوب أوسع من البيوت. تُحضر القِدر الكبيرة ويُقسم الطعام كما لو أن الجميع أهل الدار. لم تكن الضيافة هنا مجرد عادة اجتماعية. كانت موقفًا أخلاقيًا. كانوا يعرفون أن هؤلاء الناس لم يأتوا ضيوفًا بل جاءوا مكسوري القلب والخاطر. ومن يعرف معنى الفقد، يعرف أن أول ما يحتاجه الإنسان ليس الطعام بل الشعور بأنه ليس وحده.
تمر الأيام وتثقل الذاكرة بصور النزوح وصوت الخطوات المتعبة على الطرق الترابية وصمت الرجال الذين يحاولون أن يبدوا أقوياء أمام أطفالهم. لكن وسط كل هذا الألم، تبقى بعض اللحظات مضيئة مثل نجمة في ليل طويل. واحدة من تلك اللحظات كانت أمس. حين قرر أهل الجديد عمران أن يذهبوا إلى الشقلة عوج الدرب، لا كنازحين هذه المرة بل كأهل جاءوا ليقولوا كلمة واحدة: شكرًا. حملوا فطور رمضان معهم. لم يحملوا طعامًا فقط بل حملوا الامتنان. ذهبوا إلى القرية التي فتحت لهم أبوابها يوم ضاقت الدنيا. جلسوا معًا على مائدة واحدة. هناك، في تلك اللحظة، لم يكن الفطور مجرد تمر وماء وطعام. كان ذاكرة مشتركة. كان اعترافًا بأن الكرم لا يضيع، وأن المعروف لا يموت.
في السودان، كثيرًا ما يقول الناس إن الجار قبل الدار. لكن ما حدث بين الشقلة وقرى الجديد: العوامرة وعمران والدبب والعطشة يثبت أن الأمر أكبر من ذلك. حين يفتح إنسان بيته لإنسان آخر في وقت الخوف، فإنه لا يقدم له مكانًا للنوم فقط، بل يمنحه شيئًا أثمن: الإحساس بأن العالم لم يفسد كله بعد.
الحرب قاسية تأخذ البيوت الأمان وسنوات من العمر. لكنها لا تستطيع أن تأخذ شيئًا واحدًا إذا تمسك به الناس: الإنسانية. ما فعله أهل الشقْلة عوج الدرب ليس خبرًا عابرًا في زمن الحرب إنه درس في معنى المجتمع. درس يقول إن القرى لا تُبنى بالطين فقط، بل تُبنى بالقلوب.
حين ترى هذه القصص، تفهم لماذا يقول الناس دائمًا إن السودانيين يقطعون القلب. ليس لأنهم ضعفاء بل لأن قلوبهم واسعة إلى درجة الوجع. في زمنٍ يهرب فيه الناس من بعضهم، يفتح السوداني بابه للغريب ويقول له ببساطة: البيت بيتك. وهكذا تبقى البلاد رغم الجراح. قد تُطفئ الحرب الأنوار في المدن لكنها لا تستطيع أن تطفئ النور في قلوب الناس. وما حدث بين الشقلة عوج الدرب والقرى الأخرى سيبقى شاهدًا على حقيقة بسيطة وعميقة: أن السودان مهما اشتدت عليه الحروب، ما زال بلدًا تُفتح فيه الأبواب قبل أن يُطرق الباب.