الإضراب ليس أزمة… بل نتيجة حتمية للفشل

 إضراب أساتذة الجامعات في السودان ليس مجرد مطالبة برواتب أو تحسينات وظيفية، بل هو صرخة في وجه خلل عميق في ترتيب أولويات الدولة، واختبار حقيقي لمدى فهمنا لقيمة التعليم ودور من يصنعون المعرفة في بقاء الدول أو انهيارها. فالأستاذ الجامعي ليس موظفًا عاديًا يمكن استبداله أو تهميشه دون أثر، بل هو الذي يصنع الطبيب والمهندس والمعلم والباحث وصانع القرار، وهو الأساس الذي تقوم عليه أي دولة تسعى لبناء نفسها على العلم لا على الشعارات.

لكن الواقع في السودان يعكس صورة معاكسة تمامًا لهذه الحقيقة. الأستاذ اليوم يعمل في بيئة منهارة، بلا بنية تحتية حقيقية، ولا أدوات بحث، ولا استقرار مهني. يتقاضى راتبًا لا يليق حتى بالحد الأدنى للعيش الكريم، ويواجه غيابًا شبه كامل للتقدير المعنوي والحماية المهنية، ويُدفع إلى هامش سلم الأولويات الوطنية وكأنه عنصر زائد لا ضرورة له. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية، لأن الإهانة ليست فقط في ضعف الراتب، بل في سقوط قيمة الأستاذ ذاته، وفي الطريقة التي يُنظر بها إليه داخل منظومة يفترض أن يكون هو في قمتها.

هذه الحالة لم تأت من فراغ، بل هي نتيجة تراكم طويل لسياسات خاطئة تم فيها تسويق فكرة أن التعليم يمكن تأجيله، وأن الأولوية يمكن أن تُمنح لقطاعات أخرى على حساب بناء الإنسان. لأكثر من ثلاثين عامًا، تم إقناع الناس بأن هناك ما هو أهم من التعليم، وأن الاستثمار في المعرفة ليس ضرورة عاجلة. والنتيجة اليوم واضحة ولا تحتاج إلى تفسير: انهيار مؤسسات الدولة، ضعف الكوادر، هجرة العقول، وتراجع شامل في كل القطاعات دون استثناء. كل ذلك لم يكن صدفة، بل نتيجة مباشرة لتهميش من يفترض أن يكونوا في مقدمة المشهد.

ولا توجد دولة في العالم تقدمت وهي تُهين معلميها وأساتذتها. هذه ليست عبارة إنشائية، بل حقيقة تاريخية يمكن تتبعها في كل التجارب الناجحة. الدول التي نهضت أعادت الاعتبار للمعلم والأستاذ، ووفرت له البيئة التي تمكنه من أداء دوره، واعتبرت التعليم استثمارًا طويل المدى لا عبئًا ماليًا مؤقتًا. أما الدول التي سارت في الاتجاه المعاكس، فقد دفعت الثمن في شكل تخلف مزمن، واعتماد دائم على الخارج، وعجز عن إنتاج المعرفة أو حتى استهلاكها بوعي.

في السودان تجاوزت الأزمة مرحلة الإهمال إلى مرحلة الخطر الحقيقي. البيئة الجامعية لم تعد جاذبة، بل طاردة. البحث العلمي شبه متوقف، والإنتاج المعرفي محدود، والطلاب أنفسهم أصبحوا ضحايا لنظام تعليمي لا يوفر لهم الحد الأدنى من الجودة. ومع استمرار هذا الوضع، يتسارع نزيف الكفاءات، حيث يغادر الأساتذة إلى دول توفر لهم الاحترام والاستقرار، تاركين خلفهم فراغًا لا يمكن تعويضه بسهولة. هذه الهجرة ليست مجرد انتقال أفراد، بل هي فقدان تراكمي للخبرة والمعرفة، وانقطاع لسلسلة كاملة من التكوين العلمي.

في هذا السياق، يصبح الإضراب ليس ترفًا ولا تصعيدًا غير مبرر، بل ضرورة حتمية، وآخر ما تبقى من وسائل الكرامة. هو محاولة لإعادة التوازن، ولإجبار الواقع على الاعتراف بأن هذا المسار لم يعد ممكنًا. قد يبدو الإضراب في ظاهره تعطيلًا للعملية التعليمية، لكنه في جوهره دفاع عن وجودها الحقيقي. لأن الاستمرار في تعليم ضعيف، ببيئة منهارة وأستاذ مهمش، هو في الحقيقة شكل آخر من أشكال التدمير البطيء للمستقبل.

القضية هنا ليست مرتبًا فقط، رغم أن العدالة المادية جزء أساسي منها، بل هي قضية قيمة ودور ومكانة. هل يُنظر إلى الأستاذ كركيزة أساسية في بناء الدولة، أم كموظف يمكن تجاهله؟ هل التعليم أولوية حقيقية تُترجم إلى قرارات وسياسات، أم مجرد شعار يُرفع عند الحاجة؟ هذه الأسئلة لم تعد في غاية الأهمية، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بمصير البلد نفسه.

إذا لم يُعاد الاعتبار للأستاذ الجامعي، فلن يكون هناك تعليم حقيقي، ولن يكون هناك بحث علمي، ولن يكون هناك مستقبل يمكن الحديث عنه بجدية. كل حديث عن نهضة أو إصلاح أو بناء دولة سيظل فارغًا ما لم يبدأ من هنا، من إعادة الاعتبار لمن يصنعون المعرفة وينقلونها ويطورونها. لأن الدول لا تُبنى بالشعارات ولا بالقرارات المؤقتة، بل تُبنى بالعقول التي تُصنع داخل الجامعات.

الحقيقة القاسية التي يجب مواجهتها دون تجميل هي أن أي دولة تضع الأستاذ في آخر السلم، إنما تختار أن تبقى في القاع، مهما حاولت أن تُقنع نفسها بغير ذلك. وهذا الإضراب ليس سوى لحظة مواجهة مع هذه الحقيقة، وفرصة أخيرة لتصحيح مسار طال انحرافه.

شارك على
Comments (0)
Add Comment