نَكًزة : إنه عجز القادرين على التمام. مجددا. الخرطوم تبتلع السودان.

نَكًزة : إنه عجز القادرين على التمام. مجددا. الخرطوم تبتلع السودان.

بقلم : الصادق إسماعيل علي

يُقال ، أفضل ما تنتجه الحروب، هو الخراب . هذه عبارة صحيحة، لكنها غير مكتملة. فالحروب أحيانًا تفعل ما لا تجرؤ عليه الحكومات: تزيح الغطاء، وتكشف العطب، وتفضح ما تعوّدنا تسميته «وضعًا طبيعيًا».
وفي حالتنا السودانية، لم تكشف الحرب فقط هشاشة الدولة، وغياب الحكومة التي يفترض أنها قائمة عليها ، بل كشفت خطأً وطنيًا عريقًا، عمره من عمر الاستقلال، اسمه: العاصمة المتخمة… والبلد الجائع.
منذ الاستقلال، تعاملنا مع الخرطوم وكأنها السودان، وتعاملنا مع السودان وكأنه الهامش. حُشِر أكثر من ثلث السكان في بقعة صغيرة، لا لأنها تنتج، بل لأنها وحدها تتنفس خدمات: تعليم هنا، علاج هناك، وظيفة في مكان ما… والبقية «الله كريم».
* فكانت النتيجة عاصمة تشرب، وتأكل، وتستهلك، ثم تطلب المزيد، بينما ولايات بأكملها تنتج ولا تجد حتى طريقًا يخرج إنتاجها من الحقول والسهول والمناجم .
اقتصادنا لم ينهَر فجأة . لقد سقط ببطء، قطعة قطعة، وهو يُغذّي مدينة واحدة، ويُقنع بقية البلاد بالصبر والوطنية.
* ثم جاءت الحرب…
وفعلت ما لم تفعله عشرات الخطط الثلاثية والخمسية: أخرجت الناس من الخرطوم بضربة لاذب.
المفاجأة المدوية !!! لم ينتهِ السودان.
بل بدأ يتحرك، ويزرع، ويبيع، ويصنع، ويقدّم خدمات في مدنه وفيافيه ومناجمه المنسية.
اكتشفنا – يا للمفارقة – أن الحياة ممكنة خارج شارع أفريقيا، والسوق العربي والسوق الافرنجي و( الكرين).
السؤال الذي ربما لا يُحب سماعه بعض القائمين على الأمر ؛ لماذا كل هذا الهلع والإصرار العنيد لإعادة الناس إلى الخرطوم؟ هل هي مدينة أم جهاز تنفّس صناعي لا تعيش الدولة والحكومة بدونه؟
ومن قال أصلًا إن تكديس نصف السكان في مدينة واحدة كان إنجازًا حضاريًا؟
لماذا تُرعبنا فكرة الولايات المنتجة، بقدر ما تُطمئننا فكرة العاصمة المتضخمة؟
وصفة لا تُعجب ولا يرتاح لها البعض،
الحل بسيط، لكنه ربما غير محبوب عند بعضهم :
_ عاصمة اتحادية نحيفة ورشيقة، لا تتغذى على بقية الجسد مثل الدودة الشريطية .
_ ولايات بخدمات حقيقية لا يضطر سكانها للهجرة بحثا عن خدمات في الخرطوم. يستقر سكانها يبدأون في الانتاج الغزير وفق مواردهم وميزاتهم التفضيلية.
_ حكومة مركزية في الخرطوم تُخطّط وتنسق وتتابع ولا تبتلع.
_ موارد بالدستور والقانون موازية لسطات تنفيذية واسعة في الولايات ، وحيث لا توجد الكاميرات
_ أما الخرطوم، فمكانها الطبيعي أن تكون عقل الدولة، لا معدتها.
حين يُقال لنا: «سنُعيد الخرطوم سيرتها الأولى»،
نحتاج أن نسأل بهدوء ومرارة ساخرة :
هل تقصدون سيرتها التي أوصلتنا إلى هنا؟
هذه الحرب، بكل بشاعتها، قالت لنا شيئًا واضحًا:
المشكلة لم تكن في غياب الخرطوم…
المشكلة كانت في زيادتها عن اللزوم.
إما أن نفهم الرسالة،
أو نُصرّ على إعادة الخطأ نفسه،
ثم نستغرب – كعادتنا – لماذا تتكرر الكارثة.
حكومة الخرطوم الحالية تعمل وكانها لم تسمع قط بحرب إجتاحت الخرطوم بيتا بيتا واخرجت سكانها أسرة أسرة من منازلهم الي المجهول وهدمت الصوامع والبيع والصلوات، جلست على انقاضها وهي خاوية على عروشها وبئرها معطلة، فكرت وقدرت ثم قالت خير ما افعل ان ازيد الطين بلة بإعادتها الي سيرتها الأولى.
في المقابل كأنما الحكومة الاتحادية لم تسمع ولم ترى كل هذا الحراك والحياة التي دبت في عروق الولايات بخلو الخرطوم فأرسلت من يعين حكومة الخرطوم لإعادتها سيرتها الأولى.
الخرطوم ليست الوطن…. الوطن كل السودان. الخرطوم. هي رأس الرمح ينبغي أن تكون أصغر جزء فيه ليقود الإختراق. أما إن كان رأس الرمح قاعدته ( فالرماد كال حماد).
اللهم قد بلغت فاشهد.

شارك على
Comments (0)
Add Comment