نكبة البرامكة – نكبة الجنجويد
القاهرة : بدر الدين العتَّاق
تمهيد
هذه الكلمة عبارة عن دراسة مركبة ومقتضبة جداً في مقارنة سريعة لأحداث السودان الأخيرة ( 2023 – 2026 ) وأحداث سياسية في الدولة العباسية تعرف بــــــ ” نكبة البرامكة ” في القرن الثاني الاخراجي ( 170 خ – 187 خ ) ، وتعرف في السودان بـــــ ” نكبة الجنجويد ” في القرن الخامس عشر الاخراجي ( 1437 خ – 1447 خ ) .
تعريف الشخصيات
١. رئيس مجلس السيادة الوطنية السودانية يمثلها الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، بينما يمثل الشخصية العباسية أمير المؤمنين هارون الرشيد.
٢. زعيم الجنجويد السوداني هو محمد حمدان دقلو الملقب بــــ ” حميدتي ” ، بينما زعيم البرامكة هو أبو جعفر البرمكي .
٣. الجنجويد مقابل البرامكة.
٤. قاتِل أبي جعفر البرمكي هو مسروق ، سيَّاف الرشيد، بينما قاتل حميدتي لم يظهر بعد.
٥. ستأتي التعريفات المماثلة للشخصيات والأماكن أثناء السرد لاحقاً .
تنبيه
التاريخ الإنساني يعيد نفسه عبر دورات الزمان وتتشابه الأحداث فيه حتى لتكاد تتطابق ، ولا تتطابق وهنا تتجلى حكمة الله في البشر ، والعارفون يقولون : ” البداية تشبه النهاية ولا تشبهها ” .
المبحث والدراسة
تغلغلت ايادي البرامكة في حكومة الرشيد، وتضخم الجنجويد في مفاصل الدولة السودانية بعامة في عهدي الرئيس المخلوع عمر البشير والحالي عقب ثورة ديسمبر 2019 بالتحديد ، ويريد أبو جعفر البرمكي الاستيلاء على السلطة وينقلب على الرشيد، كذلك ، يريد حميدتي الانقضاض على البرهان ويستلم مقاليد الحكم .
لم يستلم حميدتي الحكم ولا انقلب أبو جعفر البرمكي على الرشيد، بل قُتِلَ شر قتلة ، قتله أحد عوام الناس لا يعبأ لهم وهو ” مسروق ” السيَّاف الذي ذكرته شهريار في كتاب ألف ليلة وليلة، بينما ينتظر الشعب السوداني والمجتمع الدولي نبأ مقتل حميدتي برصاصة طائشة من قنَّاص محترف، كما ينتظر الكثيرون تسليم البرهان وحميدتي إن بقيا على قيد الحياة وسارت الأمور كما تتمنى ” أبلة ظاظا ” ومن شايعهم إلى المحكمة الجنائية الدولية بلاهاي وهيهات، لأنَّ حميدتي تواجهه عقوبة الاعدام شنقاً حتى الموت إزاء قضية مقتل أبكر خميس والي غرب دارفور، بينما يقابل البرهان محاكمة عسكرية أو شعبية أو خلافه ، ولا نجوت إن نجيا .
علي بن عيسى بن ماهان والي الرشيد على خراسان سنة١٩٠ – ١٩٥ خ ضد رافع بن الليث بن نصر بن سيار، من فلول الأمويين.
يقابله خميس أبكر، والي ولاية غرب دارفور ، قتله الجنجويد شر قتلة ومثلوا بجثته وبموجبه حكمت محكمة ببورتسودان غيابياً على المتهم محمد حمدان دقلو حميدتي وآخرين ، بالإعدام شنقاً حتى ينقطع النفس .
الثورات الشعبية والمعارضة السياسية
رافع بن الليث بن نصر بن سيَّار، من الخوارج الذين خرجوا على الرشيد، كذلك حمزة الشاري وأبي الهيذان المُرِّي بخراسان، الذي كاد أن يفتك بالرشيد لقتل رجل الشرطة أخاه عامر بن عمارة، الملقب بأبي الهيذام المري، قتل صاحب الشرطة إبراهيم بن صالح، أخاه عبد الله بن عمارة ، بسبب جمع الخراج فاحرق دمشق، فواجه موسى البرمكي بن يحيى بن خالد ، أبو الهيذام فقضى عليه وعلى ثورته .
كما قتلت الشرطة السودانية أو أحدهم برصاص طائش الثورية الشابَّة الحسينة ست النفور ” بأي ذنب قتلت ” بعد اعتصام الثُوَّار بالقيادة العامة للجيش في مسيرة تظاهرية ، وثورة الطالبيين وثُوَّار الشام والحجاز، كلها تواجه الرشيد.
ذات الأمر ، تواجه البرهان تحديات كبيرة من قبل ثُوَّار ثورة ديسمبر المجيدة من معتصمي القيادة العامة للجيش، ومعتصمي القصر ( اعتصام الموز ) والأحزاب السياسية ضد النظام الحاكم العسكري الذي يعتبر البرهان اغتصب السلطة منهم وانتهك الوثيقة الدستورية 2019 لحكومة حمدوك الأولى والثانية .
نحن أمام تحدي كبير: بين المجد لللساتك والمجد للبندقية.
بالنسبة لمصر وأفريقيا : واجهت الرشيد ثورة زياد الله أبو عبد الله إبراهيم بن الأغلب ( ١٨٤ خ – 296 خ ) واسحاق بن سليمان والي الدلتا، وفي ذات الوقت يواجه البرهان القاعدة الشعبية والسياسية من قحت وصمود وتأسيس وتقدم في مقر إقامته بالقصر الجمهوري.
واجه ثورة إسحق بن سليمان وقضى عليها رجل الجيش الرشيدي هرثمة بن أعين، فقضى على الثُوَّار، وفي ذات السياق قضى رجل البرهان الفريق أول ياسر العطا، على ثورة عبد الرحيم دقلو في دارفور وكردفان والنيل الأزرق ومرتزقتهم من كولومبيا وشتات أفريقيا الوسطى، وأيضاً الفريق أول إبراهيم جابر عضو مجلس السيادة، قضى على الثورات الداخلية السودانية في شتات العقل الجمعي المتدخلة الخارجي في شؤون الوطن بشكل مباشر وفاعل ، وأيضاً الفريق أول كباشي شنتود في جبل موية بسنَّار .
الغلاغل والفتن والتحديات
يؤرق الرشيد أربعة رجال يقضُّون مضجعه هم : يحي بن خالد البرمكي، واخوته موسى ومحمد وجعفر، الذين أسسوا جيشاً موازياً لجيش الدولة الأساس ( يريدون إعادة هيكلة الجيش وإعادة الديمقراطية المدنية المستلبة منهم بموجب حق الطالبيين في الخلافة وهلم جرا ) جيش الرشيد، أسموه جيش العباسية أو الاصطناعية، قوامه خمسمائة ألف مقاتل، ففطن لهم الأخير ، ولما علموا بفطنته داهنوه وتماهوا معه قالوا : هو من رحم جيشكم الميمون ، يساعده ويقويه ضد الحركات المسلحة والثُوَّار وفلول الطالبيين ( مقابل الكيزان وقوات الحركة الإسلامية السودانية حركات الفول المصلَّح أو الكفاح المسلَّح أيهم شئت ) .
قوات الدعم السريع أو مليشيا الجنجويد مقابل جيش البرامكة، خرج من رحم القوات المسلحة السودانية بقرار برلماني سنة ٢٠١٧ ، بقيادة ” الولد الاسمه حميدتي” ، وقوامه مائة ثلاثة وأربعين ألف مقاتل، ذكرهم حميدتي بلسانه السليق، فتمرد على والده الجيش الحر السوداني وكوَّن مليشيات ومرتزقة أجانب فتقاتلوا في كل شبر من أرض الوطن العزيز، وكادوا أن يستلموا السلطة كما كادت البرامكة فعل ذلك، وما هو إلا قليل حتى انقلب السحر على الساحر، وتغيرت اللعبة الجيوسياسية كلية، داخلياً وخارجياً، وطورد حميدتي كما طورد أبي جعفر البرمكي فقُتِل إلا أن حميدتي ينتظر دوره المحتوم تشريداً أو قتلاً أو لجوءاً في فيافي كمبالا ولاهاي أو صحاري ليبيا ومفاوز دارفور الكبرى .
يؤرق الرشيد الفضل بن يحيى البرمكي، كما يؤرق البرهان التدخلات الخارجية ودول الرباعية الدولية والخماسية المجنونة وهلم جرا ، سطحية بتاع الكرينات الطفيلي مسعد بوليس مندوب الرئيس الأميركي ترامب لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط.
بنود الأرق للطرفين
١. تأسيس قوة عسكرية في خراسان ، يقابله جلب المرتزقة من دول غرب أفريقيا وكولومبيا وحشد أبناء القبائل العربية في المناطق الأكثر تأثراً بالحروب وقتلهم دون أدنى مسوغ أو سبب.
٢. ميزانية مفتوحة على مصراعيها بالنسبة للجنجويد من الخارج، يتولاها القوني حمدان دقلو ، أخو حميدتي ( إخوة أبي جعفر البرمكي الأربع ) المسؤول المالي، بينما يتولى الميزانية البرمكية يحي بن خالد البرمكي فهو المسؤول المالي الأول.
٣. استدعاء قوة عسكرية في بغداد وهم حاجب الرشيد : الفضل بن الربيع بن يونس، حتى صاح الرشيد كما ذكر ابن الأثير في كتابه ” الكامل في التاريخ ” ( انه يشاركني ملكي) .
٤. بينما استدعى حميدتي شباب أبناء القبائل المنضوية غصباً أو برضا اهلهم إلى قواته المتهالكة حتى صاح البرهان في الشعب ( لقد شاركوني الملك ) .
يوم الوثبة – ساعة الصفر
عند حميدتي لاستلام السلطة يوم ١٥ أبريل ٢٠٢٣ ، هي ذاتها عند الفضل بن الربيع، أخو الرشيد في الرضاعة ، هدده ويحذره بقوله : ” لو أومأ إليهم جعفر بيده ، لمالوا عليك في قصرك ” ، يوم الوثبة على الرشيد في قصره سنة ١٨٧ خ ، كما عجل بها عبرحيم دقلو بإيعاز من الرفيق الكمرد ياسر عرمان في إحدى التسريبات الاسفيرية.
فشلت محاولات الانقاض على القصر الملكي والقصر الجمهوري بلا منازع وهدَّك من قوات الحرس الخاص للرجلين.
الدور النسائي في النكبتين
زبيدة الهاشمية زوجة الرشيد ، أكبر منه بثلاث سنوات وتعرف بأمَة العزيز بن جعفر ( 145 خ – 173 خ ) كما أخبر الخطيب البغدادي في كتابه ” مروج الذهب ” ، كانت تريد الخلافة لابنها الأمين وكانت تكره البرامكة لأنهم يدهمون فكرة تولية المأمون على الأمين ، بينما يريد الرشيد توليه ابنه المأمون ، وترى زبيدة أحقية الأمين لأنه من البيت الهاشمي بينما المأمون أمه جارية أم ولد .
بالنسبة للسودان ، ففي مجلس السيادة من ترى أحقية اعادة الملك العضوض من طريق الثورة بالاتفاق الاطاري المشؤوم ، فالبشير اغتصب السلطة الديمقراطية وجاء بالغَلَبَةِ عليها من طريق دبَّابة واعرف سيدة تقيم بالنمسا قالت أنها موَّلت فترة الاعتصام كلية لإزاحة الكيزان والملعون عمر البشير من السلطة من أجل الحرية والعدالة والسلام ، ليتهن صدقتا .
أسباب الانقلابين العسكري والملكي
١. وجوب الانتصار للطالبيين من جهة ووجوب الانتصار لمكتسبات ثورة ديسمبر المجيدة من جهة أخرى.
٢. شرعية العلويين الطالبيين في الخلافة، وشرعية الوثيقة الدستورية واتفاقية جوبا للسلام في مقاليد الحكم.
٣. ولاية العهد لهارون الرشيد لأحد ابنيه الأمين أو المأمون، بينما في السودان الحركة الإسلامية أو تجمع المهنيين قوى الحرية والتغيير أيهما أحق بالملك من الآخر، والاخرين ؟ .
٤. توغل البرامكة في مفاصل الدولة، وتوغل الدعم السريع في مقابض الدولة وتماسكها ولحمتها.
صراع السلطة، مصارع الرجال تحت بيارق الطمع
١. القوة الاقتصادية والاجتماعية بالنسبة للبرامكة ومصادرتها من الرشيد، يقابله مصادرة أموال الدعم السريع وتجفيف مصادر الدعم الخارجي لقوى الحرية والتغيير من البرهان .
٢. التضييق على الجيش الموازي ، جيش البرامكة، والتضييق على مليشيات الدعم السريع.
٣. الإفراج عن يحي الطالبي ، أخو إدريس بن عبد الله المحض في معركة الفخ، أفرج عنه جعفر البرمكي، ولما سمع الرشيد بالخبر استعمل دهاءه وقال لا بأس، عندما قال الأول: إنما افراجه لا يضر ولا ينفع ، وكان قد حكم عليه الرشيد بالسجن المؤبد، ثم قال الرشيد لابي جعفر البرمكي: ” قاتلني الله إن لم اقتلك” .
٤. يقابله: الإفراج عن المعتقلين السياسيين والسجناء من سجن الهدى، وغيره ، أفرجت عنهم عائشة موسى ( ماما عشة ، حبوبة عشه ) بقرار سيادي وهي عضو في المجلس السيادي سابقاً .
٥. الفضل بن الربيع، كان في بغداد، والرشيد وجعفر البرمكي في الأنبار ، كان الأخير في رحلة صيد، فأمر سيَّافه مسرور بالقبض عليه وضرب عنقه ، فاستدرجه مسرور في موقف يطول شرحه فقتله وأحضر رأسه إلى الرشيد، بينما يفعل الله ما يشاء في حميدتي مستقبلاً.
ما بعد القضاء على البرامكة
أصدر الخليفة العباسي هارون الرشيد الأوامر الملكية التالية:
١. غلق الخزائن.
٢. تغيير حرس القصر الملكي.
٣. القبض على يحي والفضل وموسى وايداعهم السجن.
٤. كتب إلى الامصار : سجن كل من يناصر البرامكة.
ما بعد القضاء على الجنجويد
أصدر رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان القرارات السيادية التالية:
١. حل قوات الدعم السريع من تاريخه 2023 .
٢. مصادرة جميع الأموال والممتلكات الخاصة بهم وتسليمها للجهات المعنية.
٣. ملاحقة الجنجويد في كل زاوية من زوايا السودان حتى سحقهم إلى الأبد.
٤. تقديم المتورطين في الأحداث الأخيرة إلى العدالة من سياسيين وعسكريين وعملاء وخلافه.
٥. كتب إلى الانتربول في النشرة الحمراء: القبض على الهاربين من العدالة وتسليمهم إلى السلطات السودانية فوراً.
أسباب الخروج على الحاكم العسكري والملكي
بالنسبة للبرامكة:
١. تراكم الأموال جميعها في أسرة البرامكة ( ٢١ رواية ) .
٢. الإفراج عن يحي الطالبي ( ١٨ رواية ) .
٣. اتهام البرامكة بالزندقة ( ٦ روايات) .
٤. التوغل الإداري واستبدادهم بالدولة ( رواية واحدة ) ذكرها ابن خلدون في مقدمته.
٥. المؤامرات والدسائس الداخلية التي قادها الحاجب الفضل بن الربيع ضد الأسرة البرمكية ( ٧ روايات ) .
٦. بقاء السبب سراً سيادياً مجهولاً لقول الرشيد: ” لو علم قميصي هذا لأحرقته ” ( ٧ روايات ) .
٧. ذكر بعضهم أكثر من ثمانين سبباً.
بالنسبة للجنجويد
١. تراكم الأموال والسلاح والرجال في أيدي أسرة محمد حمدان دقلو حميدتي، المعروفة بقوات الدعم السريع، وشعبياً بالجنجويد.
٢. الإفراج عن المعتقلين السياسيين والمسجونين تحت قضايا مختلفة مما يهدد الأمن القومي.
٣. اتهام الجنجويد بالتوسع والنفوذ المالي والإداري والعيني والعسكري والعتاد والمعدات الثقيلة والأسلحة الحديثة خصماً على تقويض مؤسسية الجيش السوداني وتهديد الأمن القومي.
٤. التوغل الإداري والمالي في مفاصل الدولة دون خبرة في إدارة الدولة وتماسكها ولحمتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
٥. المؤامرات والدسائس الداخلية والخارجية تشكل خطراً حقيقياً على بقاء كيان الدولة الواحدة .
ملحوظة
أبو جعفر البرمكي، كان هو الأقوى في عهد الرشيد، بينما كان حميدتي هو الأقوى في عهد البرهان، وقد زالا بحمد الله وتوفيقه.
الصراع السياسي في العهدين
بالنسبة للدولة العباسية
1. الطالبيون،
2. الخوارج،
3. البرامكة،
4. خراسان،
5. الصفرية ،
6. ثورة الوليد بن طريف الشيباني،
7. حمزة الشاري ،١٧٩ خ ١٨١ خ،
8. سجستان ،
9. القيسية ،
10. اليمنية.
بالنسبة للدولة السودانية
١. الأحزاب السياسية.
٢. قوى الحرية والتغيير.
٣. الجنجويد ومليشيات الدعم السريع والدعم الخارجي .
٤. الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني.
٥. التدخلات الخارجية والداخلية والتعاون الدولي السالب والتدخلات في الدولة .
٦. المجتمع المحلي والإقليمي والدولي ومحاربة دول الطوق ( 17 دولة ) .
٧. الثورات الشعبية الداخلية السودانية.
٨. هشاشة الوضع الأمني والنظام الحاكم العسكري.
٩. توغل الإسلاميين في مفاصل الدولة.
١٠. تدهور الخدمات والبنية التحتية والحروب الداخلية.
خاتمة المطاف
” وتلك القرى اهلكناهم لمَّا ظلموا وجعلنا لمهلكم موعداً ” سورة الكهف .
يجب الاتعاظ بالتاريخ وعدم السماح بانهيار سقف اللحمة الوطنية السودانية بخطابات العنصرية والكراهية والعداء لأتفه الأسباب وأن نتوجه جميعنا لبناء الدولة الحديثة بالعدالة والحريات والسلام والديمقراطية والمدنية المرتجاة .