شروط النكاح
كتب : بدر الدين العتَّاق
تنبيه
وتقع على عدة محاور ، وأنا هنا أتكلم عن استنباطي لما ورد في القرآن من سورتي البقرة والنساء حول هذا الموضوع ولا أتعرض لما جاء في كتب التراث إلَّا من باب الضرورة إن وجدت ، وهي على النحو أدناه:
أولاً ، تعريف ، الناحية الدينية
يعتبر النكاح من الدين لا من الشريعة الإسلامية حيث تم سابقاً التعريف بالفرق بينهما مما يغني عن الإعادة ههنا وحيثما وردت ههنا كلمة شريعة أو شرع فأعني بها الشرع العُرْفي لا المتعارف عليه جمعاً .
ثانياً ، العُرْف المجتمعي
وهو المتحكم الأول والأخير في آلية النكاح بدأً من التعريض بالخِطْبَة وانتهاء بالنكاح مروراً بطقوس المجتمع المعني لديه الأمر .
ثالثاً ، الضوابط القانونية
وهي تقنين لما جرى عليه العُرْف المجتمعي لأي قبيل بشري كان ويختلف من جماعة لأخرى ويهمني هنا المجتمع المدني السوداني وبالأخص قانون الأحوال الشخصية المدنية الذي يجب أن يُحَدَّث بطبيعة الحال بحكم التطور المجتمعي بعامَّة والسوداني بخاصة .
رابعاً ، الطقوس المصاحبة
1.المهر ، المهر ليس من القرآن في شيء والآيات الواردة فيه تتضمن الكفالة والكفاية للطرفين لذلك تجدها كلها تشير إلى العُرْف المجتمعي ” بالمعروف ” مما يعني الأخذ بمسلماته من عادات وتقاليد وأعراف ومن ثم إعمال الفكر لمناهضة الظواهر المجتمعية السلبية العُرْفية السائدة فيه وهنا موضع المغزى من هذه الكلمة .
بما أنَّ المهر لم يرد ذكره صراحة في كل القرآن فأنا أقدر أن يحذف ويلغى هذا البند من طقوس مراسم النكاح والزواج للأسباب التالية :
خامساً ، الناحية الاقتصادية
٢. غلاء المهور ، يتسبب بنسبة عالية جداً من عدم الإقبال على الزواج للشباب من الجنسين وغير الشباب بطبيعة الحال، وبما أنَّه لم يرد ذكره في القرآن فأفضل أن يمتنع دفع أي قيمة مالية عينية كانت أم مادية في محاولة مباشرة للإقبال على النكاح.
٣. المهر يمثل قيمة شراء الأنثى مما يعني أنَّها رقيق للرجل ممتهناً كرامتها وقيمتها الإنسانية التي أجَلَّها الله في كتابه حيث قال: { وآتوا النساء صدُقَتهن نحلة } سورة النساء، والايتاء هنا رفع قيمة المرأة معنوياً واجتماعياً وذاتياً واعلاء لشأنها مع ملاحظة التفريق بين كلمتي ” آتوا وأعطوا ” ، فالأولى معنوية تمثل القيم الرفيعة لخلقة الله لها كرامة وقيمة واعترافاً بكريم خلقه ، بينما الثانية وهي العطاء تمثل القيمة المادية الممتنعة لها ، وهنا يتضح جلياً مفهوم العدالة والمساواة مع الرجل مع مراعاة الخصوصية لكل منهما .
٤. منع الفاحشة بين الناس ، إذ كلما كانت الطقوس ميسرة في متناول اليد كانت النتيجة المحصلة المجتمعية هي المعافاة والفضيلة .
٥. منع الجريمة وتفشي التحرش الجنسي.
٦. منح الحريات الشخصية الحياتية الأسرية دوراً أكبر.
٧. الحد من نسبة الطلاق والخلافات الأسرية.
٨. تقليل العبء على الدولة السودانية أو المجتمع من ناحية الصرف والمراقبة على الضمانات الاجتماعية.
٩. سهولة ويسر وتسريع المراسم والطقوس بأقل تكلفة صوناً لهما وعفافاً وكرامة .
١٠. الحث على العمل وادراك فضيلة القيم المرتجاة من بعد النكاح بتكوين الأسرة .
سادساً ، الإجراءات القانونية والتشريعية والتنفيذية والقضائية والإدارية
وتتمثل في الآتي :
١. تعديل وثيقة أو قسيمة الزواج من ( وثيقة زواج / طلاق ) إلى ( ميثاق عُقْدَة النكاح / حل عُقْدَة النكاح ) ، وننتبه لضرورة التفريق بين كلمة ” وثيقة ” التي تعني الورقة المكتوب عليها التفاصيل المتعاقد عليها الطرفين وهي ليست الأصل في صحة النكاح إلَّا من باب الاجراءات الرسمية لجهات الاختصاص بل هي ورقة إدارية ثبوتية تقدم عند الطلب من حاملها ، وكلمة ” ميثاق ” الذي هو الأصل في النكاح بضمون شروط وبنود اتفاق العُقْدَة أو العَقْد أو التعاقد إذ يمثل طبيعة وشرعية وقانونية وحركة وتفعيل العلاقة بين الطرفين .
٢. الميثاق، هو مضمون جملة البنود والتفاصيل في التعاقد على أحقية وتحليل الفروج للطرفين دون ثالث لهما من الطرفين المتعاقدين اضافة لما يراه أهل التخصص .
٣. يمنع منعاً باتاً وضع أي شروط جزائية بينهما وبالتحديد ما يعرف بالمهر أو بمؤخر الصُداق أو مُقَدَّم الصُدَاق أو الاتعاب أو أيلولة المتاع والمنافع ، ويلغى ويحذف من حينه منذ الآن ، فهذا يُضَمَّنُ عرفياً بينهما لا شرطاً جزائياً .
٤. البند أعلاه، يمثل إذلالاً وانقاصاً للطرفين المتعاقدين من ناحية الأخلاق والحريات والقيم الإنسانية المجتمعية الفاضلة وما أشبه، لذلك يمنع منعاً باتاً وضعه كشرط أساس قبل التوقيع على وثيقة الميثاق .
٥. تحدد في وثيقة الميثاق ( عُقْدَة النكاح ) متطلبات وآليات فض النزاعات التي قد تنشأ لظروف ما خارجة عن إرادة الطرفين مما يسهل لاحقاً عملية الطلاق دون مطاولات المتقاضيين والمحاكم وإجراءاتها المُعَقَّدَة .
٦. على الدولة التدخل لضبط تكاليف الزواج بأي طريق كان واقلاها توفير فرص العمل للجنسين والسكن والملبس مما يوفر على الدولة ضغوطاً جانبية مثل تعدد حالات الطلاق وتفشي الفاحشة والجريمة وما إلى ذلك.
٧. النفقات، وهي المشار إليه في عديد الآيات منها قوله تعالى : { فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان } سورة النساء ، وعددها المشرع القانوني في ثلاثة عشر بنداً لقوله تعالى : { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها } سورة البقرة ، منها : السكن ، الرضاعة، اللبس، وسيلة المواصلات ، الرعاية الأسرية، الرعاية الصحية ، الخدمة ، التعليم ، المأكل ، المشرب ، إلخ .
٨. من الضرورة بمكان إدراج وسيلة كسب العيش والبنود أعلاه مناصفة بينهما بالمعروف أيضاً وأن لا تكون حملاً أو عبئاً لطرف دون الآخر لما فيها من استغلالية وانتقام وثأر وتركيع واذلال لهما معاً أو لأحدهما، تجنباً لعقوبة السجن والغرامة أو الاثنين معاً .
٩. لا تعاقب الدولة عبر آلياتها التنفيذية والتشريعية والقضائية وذات الاختصاص بالسجن أو الغرامة أو الاثنين معاً إلَّا في الحالات المستعصية جداً ومتروكة للتكيف القانوني أو تقدير المحكمة كل حالة لوحدها وعلى الدولة والجهات ذات الاختصاص العمل على إيجاد وتوفير مقومات الحياة للزوجين وهي بطبيعة الحال الشعب السوداني أو أي جماعة ما ، بتوفير ما ذكر آنفاً ، فهذه مسؤولية الدولة قبل مسؤولية المجتمع ولا يعني بالضرورة ترك الأمر جله أو كله للدولة بل على المجتمع المدني المعني القيام بواجبه ودوره في ذلك وكذلك الأسر نوع من التكافل الاجتماعي .
١٠. بالنسبة للسودان بخاصة والناس بعامة ، الوضع في الاعتبار أن ما يعرف بالشيلة أو قولة خير أو الشبكة أو العفش أو الهدايا أو قاعة الأفراح أو ما أشبه، هي أمور شكلية بحتة وتقديرها خاص جداً بين المتعاقدين قبل أن تكون تقديرها للجماعة والأفضل أن تتدخل الدولة لضبطها وتقنينها ما أمكن.
سابعاً ، الشروط العامَّة لصحة النكاح
وضع المشرعون الأوائل بعض الشروط لصحة النكاح مثل : الرضا والايجاب والقبول ، العقد أو عُقْدَة النكاح ، الإشهار، موافقة ولي الأمر ، ومن ليست أو ليس له ولي فوليه القاضي أو الحاكم أو الراعي أو المحكمة أو خلافه.
هنا دعني آخذ من القرآن إذ يقول : { وانكحوهن بإذن اهلهن } سورة البقرة، وهذا يمثل عصب صحة النكاح، لكن دعني اكتبها بطريقة مختلفة :
١. الإذن والايجاب والقبول، معروفة بطبيعة الحال لكن ما يمكن أن يستشكل على الحداثويين الإشهار بالنكاح أو إذن الولي مباشرة ، ويمكن توضيحها في البند التالي.
٢. الإشهار بالنكاح، يكون من شاهدين عدلين فأكثر لكن أقلَّاهما اثنان .
٣. إذن الولي مباشرة ، تختلف من حالة لأخرى ويحددها العُرْف المجتمعي لكن بعامَّة هم الأسرة من الأب والأم والإخوان ومن يليهم ، لكن الإذن الأول والأخير يرجع للطرفين المتعاقدين بأن يأذنا لنفسيهما بصحة عُقْدَة النكاح دون الاخلال بالمبادئ العامَّة للجماعة أو لمخالفة القانون المعمول به في الدولة وأن يكونا هما الوليان المتعاقدان مباشرة على صحة النكاح وما يترتب عليه من واجبات والتزامات وحقوق .
٤. لا مجال لما يعرف بزواج المتعة أو المسيار أو العُرْفي أو خلافه طالما هو داخل في ذات اطار العُرْف والقانون والالتزام بالمبادئ العامَّة للدين والدولة، النكاح واحد والمسميات متعددة وكلها عندي تسقط وتسقط تبعاتها الفقهية .
٥. كما مسؤولية النكاح مسؤولية مشتركة بينهما فمسؤولية الطلاق أيضاً مشتركة بينهما لا يتحملها أحد دون الآخر منعاً للاستغلال وما تقدم ذكره .
٦. يقدم الفضل والقيم والسلوك والمعاملة الحسنة وحسن الاستقامة والمعشر على كل التقاليد والاعراف السالبة والأفكار الهدَّامة فالأسرة مركز دائرة الاهتمام والمتابعة والرعاية والتربية وخلافه.
٧. الانفاق على الحياة الزوجية والأطفال بينهما مناصفة ومشاركة بالمعروف كيفما اتفق .
٨. تدخل القانون والمحاكم لفض النزاعات الأسرية كتدخل مشرح الجراح الماهر عند الضرورة القصوى .
٩. لا يسمح لأي طرف التلاعب بالقانون أو استغلاله لإيذاء أحد الطرفين أو كليهما .
١٠. إعادة النظر في جملة قانونية الأحوال الشخصية المدنية مع استحداث ما يمكن استحداثه تماشياً مع تطور المجتمع المدني السوداني وبالأخص الأحوال الشخصية في عصر الفتوحات الرقمية وأثرها الممتد على الناس ، وما يأتي بالتربية والتوجيه والتعليم لا يأتي بالقانون ولا بالعنف .
ثامناً ، مسميات النكاح
١. المسيار، العُرْفي ، القسري ، الشرعي ، المساكنة ، التشريفي، إلخ، كل هذه المسميات وغيرها نهايتها واحدة وهي المجانسة والمجالسة ويتدخل في منعها وحدها أو شيوعها وقبولها العُرْف والقانون لكن يفترض الالتزام بالمبادئ العامَّة للعرف والقانون فلا تخرج من اطارهما الموثوق بهما .
٢. الزواج القسري يمنع بالقانون ويعتبر انتهاكاً لحرية الإنسان وحقوقه إذا لم يبلغ السن القانونية التي تؤهله للقيام بمسؤولياته كل لدولته وجماعته التي تسمح لها للمرأة بالتحديد النكاح أو ما يعرف بزواج القاصرات سواء كانت بإذن وليها أو غصباً عنهما وتجاوز حق الرضا فيعتبر الزواج باطلاً دون التحاكم والتقاضي .
٣. الزواج التشريفي، أو الشرفي وقد سبق الحديث عنه إذا لم يتجاوز ما ذكر أعلاه فهو صحيح، فقط الاختلاف اختلاف مقدار لا نوع.
٤. الحقوق والشروط والالتزامات والواجبات المتبعة كل حسب منطقته وعرفها وقبولها .
5 . الزواج لغير المسلمين بالسودان الرجوع لقانون الأحوال الشخصية لسنة 1926 مع مراعاة المراجعة والتعديل بطبيعة الحال .
6 . يمنع منعاً قاطعاً زواج المثليين { ولا متخذي أخدان } سورة المائدة ، بأمر القرآن والعُرْف المجتمعي السوداني والقيم التربوية الخاصة به .
7 . يمنع منعاً باتاً زواج الخدن بالنسبة للمرأة { ولا متخذات أخدان } سورة النساء ، بأمر القرآن والعُرْف المجتمعي السوداني والقيم التربوية الخاصة به .
8 . يمنع منعاً باتاً زواج القاصرات أو القاصرين دون بلوغ سنة الرشد القانونية .
9 . يجوز زواج المسلم أو المسلمة من الكتابي أو من أي ديانة أخرى وبالعكس بذات ما ورد أعلاه من مفاهيم .
10 . يفرض النكاح صحته بعدم دفع المهر ما قلَّ من أو كثر وكذلك بقية الطقوس التي تمنع سهولة النكاح ويسره .
تاسعاً ، تعدد الزوجات
اختلف ههنا مع الفكرة الجمهورية للأستاذ محمود محمد طه في كتابيه ” خطوة نحو الزواج ” و” تطوير شريعة الأحوال الشخصية ” اختلافاً جوهرياً فأقول :
لم يمنع أو يحرِّم الإسلام ولا الدين ولا القرآن- مرجعي الأول والأخير في ذلك – تعدد الزوجات وتركها مفتوحة ليقررها ” العُرْف المجتمعي والمقدرة المالية على الانفاق ” والعدل في الإنفاق والمعاملة ليستا أصلاً في الإسلام ولا شرطاً فيه بين الزوجات ولا حتى في الميل القلبي وقد سبقت الإشارة إليه في كتابي ” الفكرة الإنسانية العالمية ” مما يغني عن الإعادة ههنا ، بل الأصل في القرآن والإسلام هو التعدد لا الزوجة الواحدة ، راجع آيات التعدد بسورة النساء ، وحجية من احتج بقوله تعالى : { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم } سورة النساء ، بفرضية زواج الواحدة ، يجب الانتباه لكلمة ” النساء ” الواردة في الآية لا ” الزوجات ” حيث هناك فرق واضح بلا ريب ، والمراد من الآية في السياق والصياغ العامين للكلمة ” تعدلوا ” هو تغيير الفطرة الطبيعية لهن من النشوز إلى الاعتدال لا العدل في الميل الفلي ولا الصرف المالي ولا هم يحزنون ، فالنشوز هو إمَّا بالقهر أو الكبت أو الديكتاتورية ، أو التذلل والخنوع والخضوع ، وكذلك الرجل ، وهذا ضد الفطرة ولا علاقة له البتَّة بالعدالة القلبية ولا النفقة حيث كانت .
عاشراً ، التطليق والعصمة والانفاق والوصايا
قال تعالى : { إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عُقْدَة النكاح } سورة البقرة، القاعدة هنا متحركة وليست ثابتة أو قاصرة على حق المرأة في الطلاق لما يترتب عليه من حقوق والتزامات وواجبات .
ترك الإسلام والقرآن خيار العصمة والتطليق بين الطرفين حسب الاتفاق بينهما أو ميثاق عُقْدَة النكاح أو لما يحدده العُرْف المجتمعي ، وتقنين القانون يأتي لاحقاً لكن ليس وقفاً على أحدهما ، كلاهما له الحق في المنع أو القبول بالتراضي بالمعروف .
في حالة أرادت الزوجة تطليق زوجها فله حق التمسك بها مثل ما لها حق الانفصال عنه والعكس صحيح، في حالة تطليق الزوج لزوجته من حقها التمسك به ما لم يتحاكما أو يتقاضيا .
أمَّا الإنفــــاق فأفضل فيه أو اشترط فيه أن يكون مناصفة بين الزوجين شراكة مستمرة حال وجود أبناء .
أمَّا الوصايا فلا تكون إلا من باب المناصحة والمصالحة بالتراضي والأصل في ذلك أن تتولى المرأة أمر تزويج نفسها من الرجل برضائها وكامل اهليتها العقلية وأن تكون حاضرة وموقعة على وثيقة النكاح والرجل كذلك ، كما اشترط منع أو إلغاء دور الوكيل أو الوسيط لإتمام مراسم النكاح ويكون الطرفان حاضران ما لم يتعذر ذلك، فيمكن إنشاء وثيقة موافقة من جهات الاختصاص تفيد بقبوله الزواج من المرأة والعكس صحيح .
خاتمة
هذه الكلمة ناقصة بحكم طبيعة العقل البشري – عقلي أنا – لكنها قاعدة عامة راسخة أضعها للمدارسة والتمحيص والتدقيق والتحقيق والتحليل وخلافه، وعلى الجهات المختصة للدولة تكملتها بالطرق المعروفة حسب ما جاء أعلاه دون الاخلال بالمبادئ العامَّة لها مع مراعاة الخصوصية لكل حالة على حدا بطبيعة الحال .