بمناسبة يوم النوبة العالمي
حلفا: الفردوس المفقود
دأب النوبيون على زيارة النيل والتبرك به ضمن طقوس احتفالاتهم في الأعياد وفي الأعراس وعند ميلاد مولود جديد وعند تسميته(السبوع) وفي عاشوراء…الخ. وفي كل هذه المناسبات كانوا يصطحبون معهم الملائكة حتى تطرد عنهم الشياطين. ولكن من الخطأ الاعتقاد ان الملائكة لم يكن لهم عمل سوى تلبية طلبات النوبيين! بالتأكيد كان عليهم تدبير شئون عباد الله الآخرين الى جانب مشاركة النوبيين طقوس حياتهم اليومية. وتحرزا لذلك لجأ النوبيون لوسائل أخرى تساعدهم في طرد الأرواح الشريرة وخصوصا منع “العين” والحسد مثل اشعال البخور و”لبان الدكر ” في أركان الغرفة الأربعة وعبور الشخص المراد “تحويطه” من الأرواح الشريرة سبع مرات فوق البخور المخلوط باللبان الدكر. ومن العجيب اذا كان الشخص “معيونا” يتشكل اللبان الدكر بهيئة صاحب الروح الشريرة(الحاسد) ويمكن التعرف عليه! ولكن هذا يبقى سرا يتم تداوله في دائرة مغلقة من ” الحبوبات “! ومن عادات النوبيين التبرك بأولياء الله الصالحين وذبح الذبائح عند مقامهم واحياء لياليهم وهي عادة متأصلة عندهم منذ زمن الفراعنة حيث كانت تُقدم القرابين للآلهة. ومن طريف القول أن وليا صالحا ظل الحلفاويون يحيون ذكراه ويتبركون بزيارته وعند التهجير رأوا أن ينقلوا رفاته الى جبل عال لا تصله مياه الفيضان؛ وعندما تم فتح القبر وُجد أن الولي المزعوم ما هو الا رفات قسيس قبطي والصليب يتدلى من عنقه! فأغلقوا عليه القبر وتركوه في مكانه. ومن النوادر التي لم يتم تأكيدها ولكنها متواترة بين البسطاء ان إمام جامع احدى القرى المتاخمة للنوبة المصرية كان أزهريا ويخطب فيهم كل جمعة باللغة النوبية “أن الحلفاوي لا يسرق وأنه لا يخون وعندما سأله أحدهم: وهل يكذب؟ فقال أحيانا!”. واعتقد بسطاء القرية أن الشيخ قد صرح لهم بالكذب.. احيانا! وفي اعتقادي أن الامام قد خانه التعبير ولم يحالفه التوفيق في ايصال المعنى المراد باللغة النوبية!
تلك صفحة من الملهاة النوبية؛ وروى الشيوخ أصل الحكاية. وحتى لا ينسى الصغار نعيد الرواية.. كيف غرق التاريخ في أعماق الجغرافية! وتعانقا بين السطور.
النيل المقدس القادم من أدغال الزمان ..من جوف الماضي السحيق مذ بدء الخليقة. منذ هبط آدم وحواء يسبقهما ابليس.
تداعب انامله رمل الشاطئ.. توشوش أمواجَه حباتُ الودع ما همست الريح للنخيل، يُقبّل أقدام الجزر الحسان. يقص عليهن جديد مغامراته. كم جزيرة طلبت وُدّك، وكم حسناء قدموها قربانا لك. الكل يطلب وُدّك، ولكنّ قلبك كان دوما معلقا بعروس النيل؛ على موعدٍ ثابت كل عام في شهر مسرى(ميسورة) تحث إليها الخطى محملا بالطمي والخير الوفير مهرا لهذه العروس المتمنعة في دلال. تتأهب لمقدمك بأبهى زينة، وسبائط الرطب المتدلية من غابات النخيل والعطر الفواح من بساتين المانجو و البرتقال والليمون من لهفتها تستطلع بشائر قدومك من السفن الآتية من اعلى الوادي.. تُسائل الطيورَ المهاجرة هل رأيتُنه؟ وإذا ما تأخرتَ عن الميعاد تناجي القمر فتفضح سرها النجوم!
الليل يغفو على أجفان عيون جافاها النوم، فلا تفتأ الأرواح تهيم على وجهها في الليل المترامي الأطراف تبحث عن أجسادها التي جرفتها مياه البحيرة. تنبش ركام القرى المهجورة. تجوب الحواري الغريقة والأزقة في قرى دغيم ودبيرة ودبروسة واشكيت وبلانة. تفتش عن توابيتها في المعابد المطمورة في بوهين وسمنة وفرص وعكاشة. تسمع نواحها المحبوس في الصدور. تطرق الأبواب المشرعة، تنادي على ذواتها: ” اووو يو محجوبة! أووو آبا عبدو اللاهي! اووو ابدالله انتود! هيي وِيلي! هيي بُرو! اولّلو؟ اورْ هيدّو جوسو؟ أين صيحات الصبيان وهم يلعبون في الساحات؟ لماذا تركتموني وحيدة؟ انا مشتاقة إليكم. المكان موحش بعدكم. لم يزرني أحد في صبيحة العيد ويضع على قبري الجريد؛ لم تأت العصافير كعادتها لتأكل حبات القمح المنثور على قبري وتشرب الماء عند رأسي وتدعو الله ان أرقد في سلام! “.
القمر يتوسط صفحة مياه البحيرة متشحا بالسواد تتحلق حوله النجوم، يتلون كل ليلة ترانيم من “كتاب الموتى” علّ الأرواح تهجع. تصيح الأرواح المتعبة: بادر الى الفرار يا قمر قبل أن يُمسك بك الموت! يشير القمر بالصمت ويهمس: إن الصمت يسمعنا! ولا تهدأ الأرواح الهائمة القلقة إلا عندما تصعد فقاعات الأذان الغريق من مئذنة جامع التوفيقية العتيق!
وعندما يلوح الصبح يذوب القمر في مياه البحيرة وتتلاشى النجوم ! أشجار النخيل العتيقة ترتعش بالعصافير! في العش ثمة فرخ دهمه الموت وهو يخرج رأسه من البيضة.. تذرف الدمعَ عليه يمامتان!
أبكيك يا حلفا بعيون أربعة: عينيّ وعينَيْ التاريخ فسال الدمع دما! وا حسرتاه يا أيها الحب يا من مضيت ولن تعود! كان اللحن نصفه “فاديكا” ونصفه الآخر “متوكيا”. الشهد الكثيف مُزج في عصير ليمون وسالا في نواح طنبور هوميروس الضرير حتى تصدع طلاء مرايا الوجوه الكالحة!
لقد عج مأتمك يا حلفا بأناس دهمتهم الكآبة، همج لم يعرفوا الحضارة، اناس قلوبهم في محافظ النقود! ساروا عبر الأزقة وبين المعابد يُمنّون البسطاء بالفردوس الموعود ووأدوك حية يا حلفا وانفضوا. ستظل تُفزعهم صورتك؛ يؤرق منامهم صوتك؛ وتقضّ مضاجعهم الأرواح الهائمة القلقة.
قل لي بالله يا نيل كيف قبلت أن يكون جوفك مقبرة لتاريخ النوبة..حلفا دغيم..عروس النيل، فاتنة الدنيا وست الحسان؟
هل اعجزك أن تعبر السد وانت من سرى في وحشة الليالي وحيدا تستأنس بك النجوم ويهتدي بك البدر! انت الذي قهر الجنادل ونخر طريقه بجموح في صخورها عبر التاريخ! هل خارت قواك وأنت العفي؟ ام يئست من المقاومة فلم تناور ولم تراوغ وآثرت السلامة؟ ام تراك فُرض عليك الاستسلام فأذعنت لمّا تكالبت عليك الأهل قبل الغرباء؟ ام هي معركة والحرب مؤجلة!
الم تسمع نحيب النساء وحمحمة رجال بنَتْ عيونهم أسوارا لكيلا تفيض دموعهم؟ كيف طاوعك قلبك أن تكتم أنفاس مئذنة المسجد العتيق؟ غابات النخيل، حراسُك على الضفتين، ثبتوا يوم الطوفان، ماتوا في شموخ. كيف ألجموك وطوّعوا كبرياءك وأنت الذي عشت عبر التاريخ فرسا حرا نافرا ثائرا حينا طيّعا سلسا أحيانا ساحرا مُلهِما ومِعْطاء تفيض بالخير في كل حين؟
ضج حنين ظامئ بين جنبيه وقال: من أنت؟
قلت: فتى نوبي تاهت(فلوكة) عمره
وغابت عنه المرافئ!