نكزة : جرس الامتحان.. ومن الذي أغلق المدارس؟
بقلم : الصادق إسماعيل علي
برز الثعلب يوما في ثياب الواعظينا
للشعوب ذاكرة قد تضعف أحياناً، لكنها لا تموت. أما حين تكون الجراح بهذا الحجم، والدمار بهذا الاتساع، فإن محاولة إعادة كتابة الوقائع تتحول إلى مهمة مستحيلة، مهما أُنفقت عليها من صور ومشاهد دعائية.
ما أضرّ بقوى “قحت” وتناسلاتها السياسية اللاحقة، من “تقدّم” إلى “صمود” وغيرها، وبجناحها العسكري المتمثل في مليشيا الدعم السريع ومرتزقتها، أكثر من الكذب الصريح الذي لازم خطابها منذ دخولها المشهد العام السوداني عام 2019م. فالكذبة قد تنجح مرة أو مرتين، لكنها حين تتحول إلى منهج حياة تصبح عبئاً على أصحابها قبل غيرهم.
وبالأمس ظهر تسجيل مصور للهالك وهو يقرع جرساً قيل إنه إيذاناً ببدء امتحانات الشهادة السودانية. ويا للمفارقة؛ فقد أصبح الذين عجزوا عن حماية المدارس من التحول إلى ثكنات عسكرية، يوزعون اليوم أجراس الدراسة وكأنهم رعاة التعليم وحماته.
وهنا تبرز أسئلة لا يملك السودانيون إلا أن يطرحوها:
من الذي أوقف العملية التعليمية بمختلف مراحلها في البلاد؟
من الذي أحرق الجامعات ومكتباتها ومعاملها، وعلى رأسها جامعة الخرطوم أيام الاعتصام وجامعة نيالا وغيرها من مؤسسات التعليم العالي؟
من الذي حوّل المدارس والجامعات في المناطق التي اجتاحها التمرد إلى مواقع عسكرية ومخازن للمنهوبات، وأفران لصهر المسروقات واستخراج النحاس من كل ما وقعت عليه الأيدي، حتى أسلاك الكهرباء لم تسلم؟
من الذي قتل وعذب وروّع الطلاب وأسرهم أثناء محاولاتهم الوصول إلى مناطق انعقاد الامتحانات؟
ومن الذي جعل الانتقال داخل الوطن مغامرة شاقة، حتى احتفى السودانيون بطالبة وصلت إلى مقر امتحانها بعد رحلة استمرت أياماً وليالي، استخدمت خلالها كل وسيلة ممكنة من السير على الأقدام إلى وسائل النقل البدائية؟ لم يكن الاحتفاء بالرحلة نفسها، بل بالقدرة على تجاوز العراقيل التي صنعتها قحط التعيسة ومليشياتها.
ومن الذي أخرج جيلاً كاملاً من أبناء السودان من مقاعد الدراسة إلى معسكرات النزوح ومواطن التشرد؟
ثم يسأل السودانيون سؤالاً أكثر إلحاحاً: أين هم الطلاب الذين يُقرع لهم هذا الجرس؟
فالجرس عادة يُقرع في المدارس، لا في معسكرات النزوح.
لقد هجّرت المليشيا ومرتزقتها ملايين المواطنين من ديارهم، لا سيما في دارفور التي شهدت مآسي إنسانية متواصلة. مثال لها الفاشر فقد عانت حصاراً طويلاً وهجمات متكررة خلفت خسائر بشرية فادحة، وانتهت بتشريد كامل تعداد سكانها، فضلاً عما شهدته مدن وقرى أخرى من دمار ونزوح وانقطاع للخدمات الأساسية، وعلى رأسها التعليم.
فعن أي تعليم يتحدث هؤلاء؟
هل هو تعليم الطلاب الذين هُدمت مدارسهم، أم تعليم النازحين كيف يبدأون حياتهم من الصفر كل مرة؟ أم هو تعليم المواطنين فنون البحث عن الماء والغذاء والدواء والأمان وسط الخراب؟
إن محاولة الظهور اليوم في ثوب الحريص على مستقبل الطلاب لا تغير من الوقائع شيئاً. فالذين يتحدثون عن الامتحانات مطالبون أولاً بالإجابة عن سؤال أبسط: من الذي أغلق المدارس؟
لقد عرف الشعب السوداني جيداً من الذي استباح الدماء، وانتهك الحرمات، ونهب الأموال العامة والخاصة، ودمّر البنية التحتية، وأدخل البلاد في هذه المحنة القاسية. ولذلك فإن مثل هذه المشاهد الدعائية لن تنجح في محو الذاكرة الوطنية أو إعفاء أحد من مسؤوليته السياسية والأخلاقية.
وفي النهاية، فإن جرس الامتحان الذي قرعوه متأخراً لن يحجب صوت الأسئلة الكبرى التي لا تزال تنتظر الإجابة. فقبل أن يُقرع جرس الامتحان، كان الأجدر بهم أن يجيبوا للسودانيين: من الذي كسر أبواب المدارس أولاً؟
دمتم : آمنين … سالمين … تآمين … لآمين .