آخر الأخبار
The news is by your side.

القصة ما قميص كاروهات  … بقلم: عبدالقادر اسماعيل احمد

القصة ما قميص كاروهات  … بقلم: عبدالقادر اسماعيل احمد

“… وإن كان الرفض خطوة مهمة فإن الخطوة التي تليه هي الأهم، فلا قيمة حقيقية للرفض بدون أن تتم ترجمته والتعبير عنه بصورة عملية”
محمد ناجي الأصم

وسط جو من الترقب الكبير من الجميع لظهور أياً من قادة تجمع المهنيين السودانيين، ترقب جماهير التجمع الطامحة لرؤية قيادتها الفعلية، وترقب الأجهزة الأمنية لمعرفة قادة ومصدر هذا التصاعد السياسي الجماهيري الخطير واعتقالهم، في ديسمبر 2018م، كان البث المباشر المفاجئ للجميع للقيادي بتجمع المهنيين محمد ناجي الأصم عبر تطبيق الفيس بوك على الشبكة الدولية للمعلومات، واصفاً نفسه بعضو سكرتارية تجمع المهنيين، ومعلناً عن بنود وتفاصيل اعلان الحرية والتغيير.
شكَّلَ هذا الظهور الجسور والمفاجئ لشاب يقدم نفسه قائداً ضمن سكرتارية جسم معارض تبحث عنه كل أجهزة الدولة الأمنية، ويختار التبشير بميثاق الحرية والتغيير الذي اعتبرته أعداد مقدرة من جماهير الثورة السودانية ميثاقاً للخلاص الوطني، مفتتحاً لمخاطبته الجماهير، مبعثاً للأمل والتفاؤل وإلهاماً للعديد من الشبان والشابات الذين إنخطروا لاحقاً في حراك سياسي طويل وعسير، أدارت دفته بمهارة قيادة هذا التجمع مع حلفائها في قوى الحرية والتغيير، حتى ميدان الاعتصام بالقيادة العامة لقوات الشعب المسلحة في السادس من أبريل 2019م.
ظهر الأصم في وقت يجهل فيه العديدون الكثير من المعلومات عن قيادة وقادة تجمع المهنيين، ووضع وصفه لنفسه بعضو سكرتارية تجمع المهنييين فارقاً بين ظهوره وظهور قيادات أخرى من تجمع المهنيين مثل د. عمر أحمد صالح عضو لجنة أطباء السودان المركزية وعضو تجمع المهنيين الذي ظهر في فيديو مباشر في يوم 4 يناير، بعد حوالي الثلاثة أيام من ظهور الأصم.
الظهور الإعلامي لمحمد ناجي الأصم عضو سكرتارية تجمع المهنيين السودانيين، في ذلك التوقيت الحرج من عمر الحراك الشعبي في السودان، حدثاً وضع صاحبه ضمن أهم قادة هذه الثورة إن لم يكن أهمهم على الإطلاق، واعتقاله من قبل الأجهزة الأمنية عقب ذلك الظهور، وفي الرابع من يناير تحديداً، شكل رصيداً إضافياً لسجله النضالي وشعبيته، وبطبيعة الحال خلق له ذلك العديد من المنتقدين لظهوره بذلك التوقيت، وبدأت أسئلة الشك من شاكلة هل كانت هناك حاجة فعلية للظهور؟ وهل كان ذلك بقرار من التجمع؟ أم كانت تقديرات محمد ناجي الأصم الشخصية؟
وكتب الدكتور عشاري أحمد محمود مقالاً نشر بتاريخ 6 يناير بعنوان قيادة تجمع المهنيين، عمل فيه على نفس الهدف، واتهم فيه محمد ناجي الأصم بالتزوير وحجب النص المحوري لإعلان الحرية والتغيير القائل بالتنحي الفوري للبشير في فيديو الإعلان الذي نشره الأصم، ونشر د. عشاري مقالاً آخر في 25 فبراير حول نفس المسألة بعنوان في مقاومة الإنقلاب العسكري بقيادة البشير دعا فيه الشباب إلى “..التفكير الجاد في تنحية قيادة تجمع المهنيين الحالية واختيار قيادة موحدة لا يكون فيها محمد يوسف أحمد المصطفى ومحمد ناجي الأصم لأي ظرف من الظروف..”. وفي 11 مارس 2019م نشر د.عشاري مقالاً ثالثاً بعنوان: مسألة الطبيب محمد ناجي الأصم، مقالاً خصصه كما قال في مقدمته “لإثبات تزوير محمد ناجي الأصم لإعلان الحرية والتغيير”.
وعلى الجانب الآخر، وقف د. عبدالله على إبراهيم كاتباً برؤية إيجابية عن د. الأصم، فكان مقاله : “وآحلاتي دا ما الأصم: دعوا الرصانة ترفرف فوق سماء الوطن” بتاريخ 10 فبراير 2019م، كما كتب عبدالعزيز حسين الصاوي بتاريخ 9 يناير 2019م (محمد ناجي الأصم كاتباً بعض ملاحظات حول تجمع المهنيين).
وما بين مدافع صلد عن محمد ناجي الأصم، ومهاجم شرس له، وثالث موضوعي يحاول وضعه في المكان الصحيح من حراك الحرية والتغيير، برزت العديد من المواقف السياسية القديمة والقوية للأصم والتي توضح موقفه بجلاء، فبرزت العديد من حكاوي إسهامه في العمل السياسي المطلبي والسياسي على أيام الدراسة والطلاب، وراج فيديو حفل تخرجه من الجامعة موشحاً بعلم السودان ومحمولاً على أكتاف زملائه الهاتفين بالشعر الثوري، كما برزت العديد من المقالات التي سبق وأن كتبها محمد ناجي الأصم في أوقات ومواقع مختلفة من ضمنها مقال في نقد العمل الطوعي 2016م وتأملات في جدلية التغيير مقالين بتاريخ 9 و15 يناير 2018م ومقال عن التحالفات السياسية وتكوين جماعات الرفض بعنوان من اللامبالاة إلى الرفض نشر بتاريخ 16 أغسطس وهي كتابات وصفها بروفيسور عبدالله علي إبراهيم بأنها: “تامة النضج.. ومليئة بتصميم الأصم في وجوب تغيير تسبقه نظريته … وتبرهن على أن عقيدة الأصم في التغيير جذرية..”
ولأن المساحة في هذا المقال لا تفي بعرض كل مقالات الأصم أوتلخيصها فأكتفي هنا بعرض بعضاً من فقراتها، على الرغم من أنها لا تعكس كل ما قدمه هذا الطبيب الشاب من أفكار إلا أنها تعطي بعض الإشارات التي يمكن أن تعين على المقارنة بين ما كتب الأصم وما فعل تجمع المهنيين السودانين:
مشروع متنوع للرفض:
“إن أي مشروع للتغيير يجب أن يعمل بصورة جادة على أن يخلق حالة عامة من الرفض لدى الجماهير، أن تصل الغالبية العظمى إلى إحساس عميق بالرفض، رفض مبني على دلالات منطقية وعقلانية وليست فقط عاطفية أو هتافية، وهو الذي يستطيع أن يحفز وقبل كل شيء هذه الجماهير للتعبير عنه بمختلف الوسائل والآليات، ولأن الجماهير متنوعة وتتمتع بخلفيات ثقافية واجتماعية متعددة فإن المشروع الموجه إليها يجب كذلك أن يكون متعددا ومتنوعاً”
في نقد العمل الطوعي:
“الفقير الذي تناول وجبة مشبعة اليوم سيعود إلى جوعه غدا، وربما سيكون جوعه أقسى والمريض الذي اشترت له منظمة ما دواءه اليوم لن يجد من يشتريه له إذا مرض غدا، ما يحدث جميل لاشك في ذلك لكن تكمن المشكلة الأساسية في أنه لا يصح أن يكون هذا الشكل من العمل الطوعي دائم ومستمر، قد يكون مقبول اذا ارتبط بحيز زمني محدد أو نتيجة لظروف مؤقتة ، لكن استمراره كأساس ونموذج للشكل المثالي للعمل الطوعي مشكلة ربما ستبقى اثارها بعيدا”

بناء الثقة والقطاعات الشبابية والفئوية:
“.. إن العنصر المفقود اليوم وبصورة واضحة لدى الجماهير الرافضة هو عنصر الثقة، فالإحباط يسيطر تماما على الأجواء العامة خاصة بعد التجارب الأخيرة والتي كانت نتائجها كارثية على الحراك الجماعي في سبتمبر 2013م والعدد الكبير من الأرواح التي سقطت بالإضافة إلى التفاعل الضعيف من قبل القوى السياسية مع الحراك الجماهيري، وبنفس الدرجة الحراك المحدود الذي ابتدرته القوى المعارضة في بدايات عام ٢٠١٨م، الأمر الذي يحتم على القوى الساعية للتغيير أن تتعامل مع هذا الجانب بكامل الجدية، فمن دون إعادة بناء هذه الثقة بين مكونات المجتمع نفسه، بين القوى السياسية فيما بينها وبين القطاعات الشبابية والفئوية تكون مسألة الحراك الجماهيري أقرب للحلم من الواقع”
في تمرحل الطرح والتكتيك:
“الثقة لا يمكن أن تبنى فجأة فالثقة المطلوبة هي ثقة الأفراد في بعضهم البعض، وقوى المجتمع السياسية والحية في بعضها، هي ثقة المجتمع في نفسه، الأمر الذي يحتاج إلى التمرحل والتدرج، وبالتأكيد تبنى الثقة ابتداء بالمشروع نفسه عن طريق تحقيق أكبر قدر ممكن من الإتفاق والتوافق الجماعي على خطوطه وأطره العريضة التي لابد أن تشمل قضايا الجميع وهمومهم المشتركة، المشروع أيضا لابد أن يسعى حثيثاً لأن يبني مع كل خطوة يخطوها نجاح ويحقق تغيير وبالتالي يبني الثقة في نفوس القائمين عليه أولاً ومن ثم يتمكن من نشرها ويوصلها للآخرين فيستقطب نحوه المزيد من الفاعلين ويزيد بالتالي من دائرة الرفض الأيجابي”
بالتالي فإن محمد ناجي الأصم شاب لم تضعه الصدفة في طريق السودانيون نحو الحرية والتغيير وقيادة الجهة التي لعبت الدور الأكبر في قيادة المعارضة والاحتجاجات منذ ديسمبر 2018م وحتى سقوط البشير، ولم تؤهله لهذا المركز القيادي خلقته المليحة أو لباقته في الحديث أو طريقته في الكلام أو قميصه (الكاروهات).
بل قاده لذلك وعي الباحث في موضوعات تخص التغيير واقعه، مطلوباته، وتنظيم قواه الحية، وتحويل الرفض الشعبي لحركة إجتماعية مكتملة الأركان، وتصميم المؤمن بضرورة وجود جسم يقود الحراك يتحقق فيه أكبر قدر ممكن من الإتفاق والتوافق الجماعي، ويتجاوز خلافات القوى السياسية المعارضة ويؤشر بإتجاه التغيير.
كما لكون أن محمد ناجي الأصم طبيباً دوراً مهماً في بروزه كأحد أهم قادة الحراك وسط الجماهير، أولاً للدور الكبير الذي لعبه الأطباء في هذا الحراك وفي تشكيل حركة الاحتجاج، منذ دورهم الريادي في تكوين تجمع المهنيين نفسه *(وللحديث عن تكوين تجمع المهنيين وعن دور الأطباء في الثورة مقالاته المنفصلة).
وثانياً لأن دور الطبيب في العمل العام في السودان يعد إستمراراً لظاهرة لم تنقطع، فالجوانب الاجتماعية والثقافية التي تعلي من شأن الأطباء في السودان وتقدمهم على غيرهم، واضحة الدلائل وقديمة التاريخ، فالثقة في من يسلم له الإنسان نفسه وهو في أضعف حالاته (المرض)، تلك الثقة التي أجُبرت عليها الإنسانية منذ أن عرفت المرض والمعالجون، وحمتها بقسم ابقراط (460 – 357 ق. م) ثم لاحقا بدعاء موسى بن ميمون ( 1135 – 1204م)، وصولاً للقسم الذي يؤديه أطباء اليوم دون العديد من المهن الأخرى، ثقة يمكن من خلالها للمشتغل بهذه المهنة التقدم بيسر في سلم العمل العام إن هو أراد، ودلائل المكانة الاجتماعية للأطباء والثقة في مقدراتهم، وتقديمهم قادة في غير مجالاتهم في المجتمع السوداني عديدة والتاريخ السوداني يقول بأن الأطباء دائماً كانوا على قمة هرم العمل العام في مناحي عديدة.
فعلى الجانب السياسي ومنذ تاريخ باكر للحركة الوطنية في السودان، كان الأطباء في قمة هرم مؤتمر الخريجين منذ دورته الأولى في 1938م فعرفت هيئات المؤتمر القيادية عبدالحليم محمد، د. التجاني الماحي، د. محمد أدم أدهم، د.عبد الوهاب زين العابدين عبدالتام الذي تقلد منصب سكرتير المؤتمر لأكثر من دورة (والذي كان أيضاً أول سكرتير للحركة السودانية للتحرر الوطني (حستو) الحزب الشيوعي السوداني لاحقاً)، وعلي عمر أرو وغيرهم من الأطباء، وعلى قمة الهيئات القيادية للعديد من الأحزاب تربع عدد منهم، وعرفت الحكومات المتعاقبة على السودان الأطباء في قمة الهرم السياسي للبلاد وفي سلكها الدبلوماسي وفي العديد من المناصب الرفيعة في كل العهود.
……..
*وللحديث عن آخرين من قادة تجمع المهنيين مقالاته المنفصلة

Loading

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.