سلمية سلمية … بقلم: عبدالقادر اسماعيل احمد
سلمية سلمية … بقلم: عبدالقادر اسماعيل احمد
“إننا سوف نكسب معركتنا لا بمقدار ما نقتل من خصومنا و لكن بمقدار ما نقتل في نفوسنا الرغبة في القتل”
المهاتما غاندي
سلمية الثورة السودانية هي المظلة التي أنزلتها بسلام على محيط القيادة في ستة أبريل، وهي سلاحها الذي قاومت وأسقطت به البشير، وجردته به من الشرعية، حفرت الثورة السودانية سلميتها عميقاً ليس في دفتر الثورة والثوريين فحسب، بل حتى في أدمغة أجهزة وقوات النظام التي كانت مهمتها قمع هؤلاء الثوار وتفريق مسيراتهم ووقفاتهم الإحتجاجية، فعلى مدار هذه الثورة، وحتى يومنا هذا، وعلى إمتداد مساحاتها في كل بقاع الوطن كانت لحظة تلاحم الثوار مع أجهزة السلطة، لحظة موسيقاها الحية أصوات الرصاص، البمبان والقنابل الصوتية من قوات النظام وهتافات السلمية من حناجر المحتجين :
طق طرق طقطق سلمية
سلمية سلمية ضد الحرامية
وسلمية الثورة السودانية ليست بجديدة على شعبه، الذي جربها في مرتين واسقط بها أعتى ديكاتوريات زمانها، في وقت لم تعرف فيه معظم شعوب المنطقة النزال المدني والشعبي الجماهيري السلمي ضد الديكاتوريات.
أمسكت ثورة ديسمبر 2018م السودانية على مفاتيح نجاحها بقوة، ولم تفلت طيلة فترة اندلاعها ومسيرتها الطويلة شعارات وممارسات الحرية والسلام والعدالة، ولم تجافي السلمية حراكها في محطاته وأزمنته المختلفة.
وسلمية الثورة السودانية لم تؤخذ فقط من سلمية غاندي ولوثر كنج ومانديلا، في مقاومة الاستغلال والتفرقة والتمييز، بل هي سلمية هذا الشعب السوداني بكل شعوبه ومجتمعاته، الذي هزم بها ديكتاتوريتين عسكريتين، وعلم عبر تجاربه تلك، أسرار التمترس خلف السلمية في وجه الطغاة الذين يحتمون بمدافعهم ودباباتهم وأجهزتهم القمعية.
ولم يقووا رغم كل ذلك على هزيمة هذا الشعب السلمي الأعزل، الذي بلغة الحسابات قد هزم الأنظمة الديكتاتورية في بلاده (ثلاثة صفر).
إنها سلمية السودانيين النابعة من فطرتهم السليمة وتراثهم الثقافي ووعيهم بمفهوم النضال المدني السلمي، سلمية لم يمليها عليهم أحد، سلمية يتعالج وفقاً لأبجدياتها، من سقط من عربة كان هدفها دهس المحتجين، على أياديهم وحسابهم الشخصي، ويسمع منهم وهو في حالة الإصابة والهلع تلك، عبارات التطمين والتهدئة الصادقة والمعاتبة في آن (قوم نحن أخوانك يابليد)، ثم يعود سالماً لينقل لرفاقه تلك الصورة التي تناقض ما يسمعونه من قادتهم ومجيشيهم عن الثوار، والتي حتماً ستحدث في وعيه شيئاً جديداً وتغييراً عميقاً في معني الثورة وتعريف الثوار، وستزيد من إرتجاف يده القامعة للمحتجين.
سلمية استطاع التزام السودانيين العالي بها في حراكهم المناهض للإنقاذ، أن يبين ضعف السلطة، وأن يسجن النظام في مربع إستخدام القوة دون أي شرعية، ودون أي مصوغات كافية، غير السيناريوهات الجاهزة والمكررة التي تحاول رد أسباب الحراك وجماهيريته إلى الا معقول من أسباب، تصدرها الدمغ بالخيانة والعمالة لجهات أجنبية وغيرها من الأسباب التي لم تفلح في منع صدور ردود الأفعال العالمية والاقليمية المدينة لإستخدام كل هذا العنف، وهي تنظر لسلمية الثورة السودانية في إنبهار وإعجاب كبير.
سلمية الثوار في مشوارهم منذ ديسمبر، سلمية وفقاً لشرعها يزود الثوار جنود الشرطة المرابطين لإمطارهم بالغاز المسيل للدموع بالساندوتشات وحفاظات العصير، ويمكن أن يُدَرَسْ في تجارب السلمية، منظر الشابة والشباب الثلاثة وهم يحملون حفاظة المياه بإتجاه رجال شرطة مكافحة الشغب التي تستعد لقصفهم بالغاز المسيل للدوع وتفريهم بالهروات وإعتقال بعضهم، يقفون في قرابتها، ثم يشربون مما يحملون من مياه في تأكيد على سلامتها حال تبادر لزهن أي من رجال الشرطة أي خيال سيئ.
سلمية من يبني ما خلفته آثار المعركة من خراب، مثلما حدث حين كسرت عبوة بمبان في إحدى المواكب زجاج سيارة كانت تقف على جانب الطريق، فجمع المحتجون في الحال من تبرعاتهم الشخصية لصاحب السيارة المتاثرة ما يغطي تكاليف إصلاح الزجاج ويزيد.
سلمية من يجلس على الأرض رافعاً يده، مبدئاً عدم المقاومة، ثم يخاطب رجال شرطة الشغب المصطفين أمامه، مبشراً بالسلمية: ” يا اخوانا ما ديرين نضرب زول فيكم، ولادايرين نعمل أي حاجة، يا أخوانا ماعندنا مشاكل معاكم نحن، والله ماعندنا، ….. انت غشوك قالوا ليك نحن مخربين ومندسين، نحن دايرين نخرب؟ العربات دي ما واقفة من قبيييييل كسرنا حاجة نحن؟ نحن واقفين بس بي لسانا نطالب بي حقنا وحقك إنتا…”
سلمية من لا يقابل الرصاص ودهس سيارات الدفع الرباعي إلا بالزغرودة والصدر العاري وقوة الهتاف، سلمية توافرت كل مغريات إنزلاقها نحو العنف وتدمير البلاد، إلا أن إيمان شعوب السودان بها كان أقوى وأعمق، وإرادة الجماهير في التغيير السلمي كانت هي الغالبة، سلمية أدهشت العالم وأوصلت الثورة إلى محطة 6 أبريل ومن ثم إلى سقوط البشير.
………..
* ولسلمية ما بعد ٦ أبريل حكاويها
![]()