حبوبتي كنداكة … بقلم: عبدالقادر اسماعيل احمد
حبوبتي كنداكة … بقلم: عبدالقادر اسماعيل احمد
“لا تتركي الساحات يا كنداكةَ الطهرِ النقاءْ
إلا بتاجِ الكبرياءْ
مرحى لأحداقِ الزمنْ
فوقَ الجباهِ السمرِ خطَّت: لا ولَن
لا… للطغاةِ وللسياطِ وللرياءْ
قسماً ولَنْ…
لن يرجعَ العشاقُ إلا بانتصارٍ أوكفَنْ”
أيمن أبو الشعر
الكنداكات، قادة مواكب الحراك الشعبي السلمي في السودان، عماد تكوين لجان المقاومة في الأحياء والمناطق المختلفة، وقادة تنسيق عمل الثورة والاحتجاجات، سَجَلّنَ بأحرف مضيئة أشرف النضالات وأشرسها على دفتر الثورة الباذخ المجيد، نسقَّنَ تنظيم المقاومة في كثير من الأحياء والفرقان، إبتدعن التكتيكات النضالية وقدن المواكب، عملن على الرصد والتوثيق لجرائم النظام السابق ضد المتظاهرين، وفَضَحَّنَ بالصورة والمعلومة ممارسات عناصره، وأطلقَّن العديد من المبادرات في مقاومة الاتجاهات المضادة للثورة في البيت في الشارع وفي العمل، إبتدرن المواكب بالزغردة والهتاف، وسرن معها في طريق الثورة والتغيير، أرجعن البمبان، حمين المتظاهرين، عالجن الجرحى والمصابين، وأطعمن الثوار، قاومن الاعتقال، شرَّفْنَ الحراسات ومكاتب أمن النظام، فقد كان يُقصد قهرن بشراسة، فتعرضن طيلة مشوار الثورة ومنذ ديسمبر 2018م لمختلف صنوف الضرب والتحرش والإهانة، بل وكان اعتقالهن والتربص بهن يسبق في كثير من الأحيان انطلاقة التظاهرات، وذلك عندما علم النظام أن زغرودة الكنداكة إعلان أكثر حماسة لبداية المواكب، وعدد السودانيات المعتقلات والمترددات على مكاتب الأجهزة الأمنية منذ ديسمبر 2018م، وحتى 11 أبريل 2019م تاريخ الإعلان عن الإفراج عن كافة المعتقلين السياسين، فاق المتصور والمعقول، الشيئ الذي أجبر النظام السابق الإعلان عن إطلاق سراح المعتقلات في نهاية مارس 2019م. ولكن لم يقف استمرار اعتقالهن ومحاكماتهن بقانون الطوارئ في مناطق مختلفة من السودان.
الكنداكات اقتلعن العديد من الحقوق من عمق بؤر التمييز الاجتماعي، فمرت حوادث إعتقالهن هذه المرة، دونما أي وصمة إجتماعية في أغلب العائلات والبيوت السودانية، بل صارت المتعرضات لهذه التجربة مثال للصمود والمقاومة، وقائدات رأي وصاحبات وجهة نظر وسط أسرهن وعائلاتهن، وهتفن لبعضهن البعض مشجعات:
هوي يابنات أبقوا الثبات الثورة دي ثورة بنات
واستحوذت أنشطة الثورة السودانية على إهتمام غالبية النساء السودانيات، بل وخصمت من إهتمامات وأنشطة عديدة كن يولينها الوقت في وسائل التواصل الاجتماعي، ما قبل اندلاع وتوسع التظاهرات ضد الغلاء والجوع والمطالبة باسقاط النظام، فالمتابع يصل بسهولة إلى أن الأنشطة الاجتماعية لعدد مقدر من الفتيات والنساء السودانيات على مواقع التواصل الاجتماعي قد تحولت من إهتماماتهن الخاصة بالتجميل واللبس والاناقة ومتابعة الموضات، والاستشارات النفسية والاجتماعية، إلى مناقشة موضوعات تخص الوطن وأزمة المواطن، والاضطلاع بمهام كبيرة في حركة الثورة، ويشهد تاريخ الحراك الشعبي في السودان منذ ديسمبر 2018م بالدور الكبير لقروب (منبر شات) النسائي على موقع الفيس بوك، الذي تتجاوز عضويته الثلاثة ألف ونصف عضوة، والذي وظف جميع إماكنية عضواته لصالح الثورة، مستفيداً من قدرتهن على جمع وتكملة المعلومات، وأمانتهن في ذلك، ورغبتهن الأكيدة في التغيير، وحرصهن عليه. وعملت إدارة القروب على جعل هذا الأمر على أعلى سلم أولوياتها مظهرةً قدرة عالية على الرصد والمتابعة ومعلنة تغيير إهتمامات وصلاحيات القروب، حاسمة كل نشاط لا يصب في هذه الخانة بالمقولة الشهيرة:
الحصة وطن
وظل قروب منبر شات يقدم الدعم الأمني للثورة والثوار، يقدم المعلومات، ويكشف عن هوية عناصر الأجهزة الأمنية، وينشر بعض خططها في مواجهة الاحتجاجات، يوثق وينشر الفيديوهات التي تبرز ما يتعرض له المحتجون من انتهاكات، وكل ذلك يتم في سرية حاولت أجهزة أمن النظام كشفها وفشلت في مرات عديدة، ولم يعلم أحد حقيقة عضوات وإدارة (منبر شات) إلا بعد أن أعلن عن أنفسهن في موكب باسم القروب أتجه إلى ساحة الاعتصام في محيط القيادة العامة للقوات المسلحة في يوم الأربعاء 17 أبريل هاتفاً:
نحن منو؟ منبر شات
بنسوي شنو؟ بنجيب الزيت
برهنت النساء السودانيات بمختلف الأعمار بتجربتهن الكبيرة في هذا الحراك الشعبي السلمي الذي إنتظم في السودان للثماني أشهر الماضية على أحقيتهن بخلافة نساء كن نجمات في سماوات الحراك الشعبي والجماهيري على مر تاريخ بلادنا الحديث، وكن قائدات؛ رابحة الكنانية، مهيرة بت عبود، ست البنات أم سيف، شغبة المرغومابية، آمنة عرفات، العازة محمد عبدالله، رفقة بهتا، خالدة زاهر، زروي شركسيان السريرة مكي، حاجة كاشف، بخيتة الحفيان، وفاطمة أحمد إبراهيم (والقائمة تطول).
كوكبة نساء سودانيات وضعن أساس وجود المرأة في الحراك السياسي والاجتماعي وفي العمل العام، وتركن تجربة للأجيال، نهلن منها من قاومن الحكم العسكري في 1964م، وقدمَّن التضحيات، وأقمن على أنقاضه برلماناً عبر عن صوتهن لأول مرة، ومن أسقطن ديكتاتورية مايو فاتحات الباب أمام مشاركة أوسع للمرأة في العمل العام، لفتت فيه نظر حتى الأحزاب التي كان بعضهن ينضوي تحت لوائها لأهمية موقعها الاجتماعي والسياسي، وهاهن كنداكات اليوم يعبرن من نفس البوابة، مستلهمات نفس التجارب، بعقل واعي وأقدام واثقة وتضحيات كبيرة ومطالب عادلة، لافتات نظر شركائهن في مسيرة التغيير في تصميم:
حقنا كامل ما بنجامل
بهرت مشاركة المرأة السودانية الكبيرة في هذه الثورة كقائدات، لا منضمات لحراك خطط له وقاده الرجال، العالم، الذي تفاجأ بحضورهن القوي الذي كان يتصور بأنه سيمضي وقت طويل قبل أن تستيقظ النساء في السودان على أصوات رسله من المنظمات والحركات النسوية، ويعرفن الحقيقة، إلا أنه عاد واستدرك عندما سمع من خبرائه عن دور المرأة في تاريخ السودان السياسي والاجتماعي، فكتبت ساندرا هيل أستاذة الانثربولوجيا في جامعة كلفورنيا ” إن من تفاجؤوا برؤية النساء السودانيات يشاركن في الاحتجاجات المستمرة هم أناس عشعش في أذهانهم الاعتقاد الخاطئ الراسخ بأن النساء اللائي يعشن في مجتمعات أبوية صارمة جاهلات وغير ملتزمات سياسياً، لكن مشاركتهن الحماسية في ثورة السودان تثبت العكس والمرأة السودانية كانت دائماً نشطة سياسياً …”
![]()