آخر الأخبار
The news is by your side.

السياسة الأمريكية تواجه امتحان المبادئ الديمقراطية بالسودان 

السياسة الأمريكية تواجه امتحان المبادئ الديمقراطية بالسودان 

الخرطوم: حاتم درديري

وصف المراقبون الأمريكيون موقف بلادهم من الأحداث في السودان، بأنه لا يرقى بحجم الحدث الجاري فيه، والمتمثل في اندلاع ثورة شعبية، وينتظر الشعب السوداني استكمالها حتى نهاياتها وتحقيق غاياتها، ولكن تواجه بعقبات تحقيق التحول الديمقراطي بتعنت واضح من المجلس العسكري، ولم تلقّ الأحداث أي اهتمام واضح على مستوى الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترمب، ووزير الخارجية مايك بومبيو، وظلت ذات الإدارة الحالية تنتقد أوضاع حقوق الإنسان في فنزويلا وإيران بلهجة حادة في اختفت هذه اللهجة بالسودان.

اهتمام إعلامي ضعيف
لم تهتم وسائل الإعلام الأمريكية بالشأن السوداني إلا بعد سقوط البشير في 11 أبريل، وجاءت مواكبتها لأحداث الثورة السودانية متأخرة ومتفرقة، ومنذ صعود نظام الحركة الإسلامية بقيادة الرئيس المخلوع عمر البشير كانت السياسة الأمريكية قائمة على (العصا والجزرة) وفرضت عقوبات اقتصادية وتجارية على نظام الإنقاذ، وكانت الإنقاذ بادلتها العداء، وركزت على الانتهاكات التي كان يتعرض لها مواطنو جنوب السودان خلال الحرب الأهلية الثانية قبل توقيع اتفاقية السلام 2005، وانفصاله في 2011، وبجانب قيادتها حملة دولية بقيادة وزير خارجيتها الأسبق كولن باول لوقف المجازر التي تعرض لها المدنيون في دارفور في بدايات الحرب في الإقليم، وكانت وسائل الإعلام الأمريكية بقيادة (سي إن إن) و(فوكس نيوز) المحرك الأساسي لإدارة الرئيس الأسبق جورج بوش.

ذكرى تيانانمين
وتصدرت مجزرة فض اعتصام القيادة العامة في الثالث من يونيو الصحف الأمريكية، لتركز على الشأن السوداني باهتمام شديد، وعلى مصادفتها الذكرى الثلاثين لأحداث ساحة اعتصام تيانانمين في الصين وربطتها بها، والتي هاجمت فيها قوات الأمن الصينية الطلبة المعتصمين، واعتبرت صحيفة الـ(واشنطن بوست) أن ما جرى شبيها بتلك الحادثة، وتساءلت: هل كان ذلك مجرد صدفة؟ وتوقعت أن تتسبب المجزرة بتكاليف باهظة للمجتمع السوداني على مدى سنين طويلة، وأشارت إلى أنه بعد سنوات من نضال معاناة الشعب السوداني مع نظام الإنقاذ البائد فإنه يستحق حياة أفضل ودعم اقتصادي من الولايات المتحدة الأمريكية.
وقال الخبير الأمريكي زيمون توبياس لذات الصحيفة في الشأن السوداني لذات الموقع أن إدارة ترمب قدمت السودان هدية لدول إقليمية، واعتبر إدانتها لمجزرة الاعتصام بأنه كان سطحياً وغير عميق وجاد، وانتقد سماح الإدارة الأمريكية للإمارات والسعودية ومصر بدعم المجلس العسكري الانتقالي، وذلك لأن سجلها سيئ في انتهاك حقوق الإنسان، وكذلك لديها سجل حافل في إجهاض عمليات التحول الديمقراطي في مصر واليمن، ودعم الانقلابات العسكرية والمحاولات الانقلابية ليبيا خاصة، وأشار إلى اختلاف مواقف إدارة ترمب عن شركائها في بريطانيا والاتحاد الأوروبي، ورجح ذلك لحاجتهم للعسكر في عملية الخرطوم في مكافحة الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر، ودعم عملية حلفائهم في حرب اليمن.

الطريق غير المؤكد
وفي المقابل دعت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية في كلمتها الافتتاحية عقب فض الاعتصام إلى ضرورة التدخل الأمريكي في السودان، وذلك لضمان الانتقال السلمي إلى الحكم الديمقراطية في البلاد بعد ثلاثة عقود من الدكتاتورية.
وتقول في افتتاحيتها التي عنونتها بـ(طريق السودان غير المؤكد نحو الديمقراطية)، إنه عندما يسقط الرئيس المخلوع عمر البشير أمام سخط الشعب، فإنه في العادة تلجأ عصابته إلى الاختباء أو الابتعاد عن الأنظار ريثما ينجلي الأمر ويتضح الوضع لها مرة أخرى، وشككت في أن الجنرالات أو جهاز الأمن قد تخلوا عن البشير الذي سقط لاسترضاء المحتجين، لكنهم سرعان ما يمسكون بزمام الأمور ويعيدون فرض الحكم الاستبدادي، واتهمت المجلس العسكري الانتقالي بمحاولة التمسك بالسلطة، وأشارت إلى أنه ينبغي على المسؤولين الأمريكيين التوسط من أجل انتقال سلمي إلى الحكم الديمقراطي في السودان، والذي يحاول الجنرالات منعه.
ولفتت الصحيفة إلى أن المحتجين السودانيين شعروا بالبهجة عندما ساهم الجيش في الإطاحة بالرئيس المخلوع، ولكنها استدركت بأنهم كانوا على دراية بما حدث في مصر في 2011 و2013، وعندما عاد الجيش إلى السلطة بعد انتفاضات الربيع العربي.
وتطرقت الصحيفة إلى الوفد الأمريكي الذي حضر إلى الخرطوم بغرض الالتقاء بالأطراف المعنية والدعوة لمواصلة الحوار، والذي ضم مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الإفريقية تيبور ناج والمبعوث الأمريكي الخاص للسودان دونالد بوث الشهر الماضي، ورأت أن الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة في هذا السياق هو الصحيح، وأكدت أن هذا الأمر يمنح واشنطن نفوذا كبيرا في التوسط من أجل انتقال حقيقي إلى الديمقراطية في السودان بعد رحيل البشير، وفرصة لضمان عدم اختطاف الجيش لهذه الديمقراطية، واستدركت الصحيفة بأن المجلس العسكري الانتقالي يلقى تأييدا من ما وصفتهم بالمؤيدين الأقوياء لدى دول تقودها أنظمة استبدادية والمتمثلة في السعودية والإمارات ومصر، وأن هذه الأنظمة جميعها حلفاء للرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وأنها جميعها تعارض بشدة صعود سلطة الشعب ونقل السلطة إلى المدنيين في السودان، واختتمت بأن مهمة الوسطاء الأمريكيين يجب أن تتمثل في إعطاء الديمقراطية الفرصة في السودان.

انتقاد تشريعي
وهاجم أعضاء في مجلسي النواب والكونغرس الأمريكي مواقف الإدارة الأمريكية من الأحداث في السودان.
وانتقد العضو الديمقراطي في مجلس النواب الأمريكي جيم ماكغوفرن في تصريحات لأحدى المحطات الأمريكية تحرك إدارة ترمب المتأخر بعد وقوع الفأس في الرأس، وطالب الإدارة بعدم إقامة علاقة مع السودان في ظل استمرار المجلس العسكري في السلطة، والعمل على نقل السلطة إلى الشعب والمدنيين، وقال: (عندما تمت الإطاحة بالبشير كان أملنا أن تكون هنالك فرصة لتحقيق التحول الديمقراطي، والحقوق المدنية في السودان ولكن للأسف الجيش لن يتخلى عن السلطة ويستعينون بأشخاص لديهم ارتباطات بانتهاك حقوق الإنسان، وعلى المجلس العسكري أن يعلم بأننا لن نقدم أي مساعدات للسودان وما يقومون به خاطئ).

التماهي مع الحلفاء
وأكدت العضو الديمقراطي ألهان عمر من الأصول الصومالية تماهي إدارة ترامب مع الإمارات والسعودية في دعم قبضة المجلس العسكري الانتقالي، وجعل مطالب الشعب في مهب الريح، وتسليم السلطة لعسكر وصفتهم بالدمويين.

السياسة الشاملة
وأكدت نائبة مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الإفريقية مكيلا جيمس، خلال جلسة استماع في لجنة العلاقات الخارجية بالكونغرس الأمريكي أمس، أن سياستهم الشاملة في السودان تتمثل في دعم تشكيل حكومة انتقالية بقيادة مدنية، وتبدأ في تنفيذ الإصلاحات التي تشتد الحاجة إليها وإعداد البلاد لإجراء انتخابات حرة ونزيهة، وأكدت أن الشعب السوداني جعل القيادة المدنية مطلباً واضحاً، وأنهم يسعون لمساعدته على عدم استمرار الحكم العسكري والعودة إلى الصراع بين الميليشيات أو قوات الأمن، وعودة ظهور حزب المؤتمر الوطني والقوى السياسية الأخرى التي تسعى إلى مواجهة تطلعاتهم.

العنف الوحشي
ووصفت مكيلا الهجمات التي تعرض لها المعتصمون في اعتصام القيادة العامة في 3 يونيو الجاري بالمشينة، وحملتها إلى قوات الأمن الخاضعة لسيطرة المجلس العسكري الانتقالي بقيادة قوات الدعم السريع، وأشارت إلى أن الشعب السوداني أظهر تصميماً قوياً في مواجهة ذلك العنف الوحشي (طبقاً لتعبيرها)، ونوهت إلى تكرار مطالبهم للمجلس العسكري بوضع حد فوري للهجمات على المدنيين وعرقلة الرعاية الطبية وحجب الإنترنت والقيود غير المبررة على وسائل الإعلام والمجتمع المدني.
وكشفت مكيلا عن حثهم المجلس العسكري الانتقالي على سحب قوات الدعم السريع من الخرطوم وتسليم سلطات إنفاذ القانون إلى الشرطة كوسيلة لإثبات استعداده للتفاوض بحسن نية، وحملته المسؤولية عن جميع الهجمات التي شنتها قوات الأمن على المدنيين، ولفتت إلى ضغوطهم عليه للسماح بإجراء تحقيق مستقل وموثوق ومحاسبة المسؤولين عن العنف.
واعتبرت مكيلا أن أفضل النتائج تتمثل في التوصل إلى اتفاق بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير لتشكيل حكومة انتقالية بقيادة مدنية، وحثت جميع الأطراف على الالتزام البناء بالاتفاقات التي تم التوصل إليها.

دور الجيش
ونوهت مكيلا إلى أن دور الجيش السوداني الذي يمكن أن يؤديه كشريك في الحكومة المدنية هو كبح الميليشيات وحماية البلاد، والمساعدة في العمل معهم في الحكومة الانتقالية التي تنهي النزاعات وتنفذ الإصلاحات السياسية، ثم الدعوة إلى انتخابات حرة ونزيهة، وتمسكت بأن هذا هو السبيل الوحيد لتحقيق استقرار السودان والوصول لعلاقة أفضل مع الولايات المتحدة.

الإفريقي وإيقاد
وأعلنت نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الإفريقية، دعمها لجهود الاتحاد الإفريقي، ورحبت بالاستجابة القوية لمجلس السلم والأمن التابع له، ورحبت بمشاركة رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد بالوساطة وعمل مبعوثه السفير محمود درير بالنيابة عن (إيقاد) للتوسط بين الطرفين بالتزامن مع الاتحاد الإفريقي، وأكدت أن السفير دونالد بوث والمسؤولين الأمريكيين الآخرين على اتصال منتظم معهم، وتشجيع الحوار المثمر الذي يؤدي إلى اتفاق.
وأعلنت مكيلا دعمها مع مجموعة كاملة للخيارات المتاحة أمامهم، بما في ذلك التدابير التي تستهدف المشاركين في انتهاكات حقوق الإنسان أو الذين يقوضون إقامة حكومة مدنية انتقالية، وقطعت بأنه لا خيار أمام المجلس العسكري في السودان إلا كبح جماح المفسدين واستئناف المفاوضات وقيام حكومة مدنية ضحى الشعب السوداني بالكثير لتحقيقه.

اهتمام متأخر
ويرى الخبير الدبلوماسي الفريق الرشيد أبو شامة أن الموقف الأمريكي في البداية كان متردداً وغير واضح، ووصف بالجامد بعد سقوط الرئيس المخلوع عمر البشير في 11 أبريل، أشار إلى أن إدارة ترمب قررت ترك الملف السوداني لحلفائه والمتمثل في محور الشر الثلاثي الإمارات والسعودية ومصر، ولكن بعد مجزرة فض اعتصام القيادة العامة في 3 يونيو تغير الموقف الأمريكي، وعبر بوضوح شديد عن ضرورة تسليم السلطة إلى المدنيين، وأدان بشكل واضح الإمارات والسعودية ومصر.
واستبعد أبوشامة أن تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بصياغة مواقف مختلفة عن حلفائه في الترويكا بريطانيا والنرويج خاصة وأن بريطانيا لديها موقف متشدد تجاه المجلس العسكري ولا يمكنها الاقدام على مخالفة توجهاتها وتعمل واشنطن بجهة ولندن جهة أخرى، واعتبر سياسة إدارة ترمب الحالية قائمة على أمريكا أولاً، وتأتي المصالح الأمريكية الاقتصادية حقوق الإنسان والقضايا الإنسانية، وقلل من الأحاديث التي تقول إن ترمب يرضي مصالح حلفائه الإماراتيين والسعوديين والمصريين، وإن الاهتمام بما يجري في السودان لم يكن على مستوى البيت الأبيض ووزير الخارجية مايك بومبيو، وقال لـ(الجريدة): (ترمب لا يهمه ما يجري في السودان ولكن بقية المؤسسات الأمريكية الدبلوماسية وغيرها يهتمون بما يجري بسبب المصالح الأمريكية ويمكن رؤية ذلك في حديث مساعد وزير الخارجية الأمريكي تايبور ناج الذي تحدث عن ضرورة تسليم السلطة للمدنيين وهذا يشكل ضغطا على المجلس العسكري).
وطالب أبو شامة قوى الحرية والتغيير أن لا تخسر الولايات المتحدة الأمريكية، وتقوم بإدانة مواقفها، وأكد أنه إذا حدث ذلك فإنها ستدعم المجلس العسكري وستتضرر الثورة من ذلك.

الجريدة

Loading

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.